أتوايق على نفسي والعالم: الجزء الثاني

هامش1: كنت أنوي نشر هذه التدوينة قبل ستة أشهر، ولكن تأخرت في الأمر ويعجبني ذلك.

غلاف بودكاست أتوايق

أودعت صوتي للسكون والانتظار ومزاحمة الضجيج، تركته في المدى يسافر بكلماتي ونبرة شعوري وارتباكي، حررته من الوجهة ليضيع ويهتدي، أردفته بالأفكار وما من غاية غير محاولة المساعدة، لأني عرفت أننا نسند ذواتنا كلما وهبنا جزء من دروبنا وحظوظنا للآخرين معنا، الآخرون جميعهم الذين لا نعرفهم ولكننا شبيهين بهم، الذين ربما نفكر في الاحتمالات نفسها ونرغب في العثور على خطة، وحتى وإن كانت الخطط مجرد مساحة للافتراض والتنازل، أو الاستعداد وإثارة الفضول، إنما لقد عولت على صوتي لأني طالما راهنت على كلماتي، وبعدها لم يعد مهمًا ماذا سيحدث لأن كل ما تمنيته جربته وتذوقته في ١٣ تدوينة صوتية، وتوايقت.

عزلتي خلاصي وملاذي، فيها أعيش وأتأمل، منها أرتب حضوري ومبررات انكماشي، وإليها أعود قبل أن يجف ماء صمتي. وكتبت كيف حدث وتوايقت، ماذا أبصرت في رحلة بحثي عما يشغل تفكيري، وتركت قلبي خارج الحسابات لأني أحب الانغماس في تعقيدات العقل دون مساعدة من العواطف، ولأنه بطبيعة الحال من الضروري الاعتقاد أن الفكرة قصيدة قابلة للمشاركة، لكن الإحساس أغنية شخصية وحالة فردية، أن الفكرة مفتاح ولكل واحد فينا باب وفرصة يستحق أن يملك حرية اقتناصها. لقد مهدت البداية ولا تخصني تكملة الحكاية.

أنجزت “أتوايق”، كتبت وطبعت صوتي على كلماتي، المسافة ليست بعيدة لأني الشخص الذي قرر أن يقترب صوته من حروفه، ولأني أرفض التباعد بيني وبيني. ثم سجلت ١٣ تدوينة صوتية، نشرتها في ١١-١١-٢٠٢٠ دون أن أتعمد التوقيت ولكنه تهيأ ليكون إطار لحظتي وتجربتي.

مفتاح الوقت

علاقتي بالوقت.. رمزية المتاهة

ولأن الوقت بالنسبة لي وحسب اللوحة المرفقة أعلاه والتي رسمتها لتجسد تمامًا كيف أتعامل مع اللحظة، ورسالتها لي بأن أضمن دائمًا وجود ثغرة أدخل منها إلى اللحظة أو أخرج منها عن اللحظة. وبما أن هذه التدوينات تخصني قبل غيري، فإن الشيء الذي وعدت نفسي بالحصول عليه وامتلاكه مكافأة لكل ما فعلته في “أتوايق”، كان شراء ساعة. أضعها طوق نجاة للمواعيد التي كانت تبتز تنبهي، وبشكل ما فكرت بالطريقة التي يمكن فيها امتلاك الوقت بمجرد الحصول على ساعة، بمجرد القول: شراء ساعة. ودفعت ثمن الوقت الذي سأحصل عليه، من الوقت الذي انشغلت فيه على بودكاست أتوايق. وبالتخاطر وحده حصلت على ساعة آبل هدية من أختي وصديقتي وحبيبتي “عزيزة”، وطوال عمري الذي أحسبه بالسير في ظل وسكينة أختي “عزيزة” لم نرتب لحضورنا معًا مثل قلبين في صدر واحد، ولكن تكفلت المصادفات بذلك.

أردت أن “أتوايق” على نفسي، أنظر إليّ كيف أنظر إليّ، أراقب العالم من مسافة ثابتة تسمح بأن أفترض ما يمكن حدوثه قبل حدوثه، أتوقع ما أحب أن أجرب ملمسه وتأثيره ونتيجته، أتصور الدوافع والأسباب وكيف تتشكل البدايات وتتحول إلى يقين، أكون الشيء الذي وددت أن أجرب كيف سيبدو مشوار حياتي إذا ما تغيرت وصرته، وعرفت وأحببت الأمر ووثقته، ولن أتوقف عن التجريب على نفسي وحياتي، ولن أتوقف عن الاستجابة لكل فرصة يمكن من خلالها اكتشاف شغف جديد لخطوة قادمة.

هامش2: النظرة الخاطفة إلى الوقت هي مشهد مصغر من فعل الموايقة.

والآن، سأنشر حلقات “أتوايق” مكتوبة مثلما كانت في بداية تخلقها، ورابط الاستماع كما حدث وطبعت صوتي على كلماتي، شكرًا مقدمًا ودومًا.

هامش3: وصف البودكاست: سلسلة من الأفكار والرؤى عن الحياة والعقل، تعبر بدقة عن معنى فعل “أتوايق”، وهو موقف أكثر شجاعة من التلصص وأقل هدرا من الجمود في المكان نفسه. يكتبها ويقدمها: محمد حامد.

خلفية بودكاست أتوايق

1

حارس مرمى الخسارة “روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: حارس مرمى الخسارة

هنا سأقول تمهيدا طويلا، لأن الفكرة تستحق أن تصل تدريجيا مثلما تشكلت عندي، تدريجيا. بداية، فإنه قبل أي مباراة كرة قدم يكون المجال متاحا للتخمينات، تصور عدد هائل من السيناريوهات، تخيل مجموعة من التوقعات وانتظار تحققها. وتبدو هذه الكواليس لعبة خارج اللعبة. ولكن ومع صافرة انطلاق المباراة تبدأ رحلة من التوجس والانتظار، الترقب ومراقبة الوقت، الأمل واليأس. وبعد تسعين دقيقة تنتهي المباراة، وتتلخص الحكاية في كلمة واحدة: النتيجة. تعادل مثلا أو فوز أحد الفريقين.

الأمر كأنما هو تجسيد للتكتيك وكيفية التنفيذ والمعالجة النهائية، الفكرة بالنسبة لي من كل هذا التمهيد ترتكز في تفسير مفهوم الأهداف، كم من الفرص الضائعة والمحاولات والاقتراب من الشباك، ويبقى المهم عدد الكرات التي تجاوزت خط المرمى. الفريق وليس المهاجم فقط يواصلون طيلة المباراة صناعة الفرص، ابتكار المحاولات إلى أن يتحقق الهدف، وهكذا في كل مباراة أيضا.

الفريق، وتحديدا في حالة الهجوم يسعى إلى غاية واحدة هي تحقيق هدف، وكل المدارس الكروية وأساليب المراوغة والحيل الفنية والأفكار تصب في مفهوم بسيط، وهو: الوصول إلى باب الخصم.

من كل هذا أريد القول إن السعي إلى الهدف جزء أساسي وبأهمية تحقيق الهدف، وإن الأهداف الضائعة هي محاولات ناجحة غير مكتملة، وبحسب اللعبة فإن العرقلة والتعثر جزء من طبيعة التجربة، والنقطة الأهم أن هدفا واحدا يكفي عن عشرات الأهداف.

في الحياة، عندما فكرت في الأهداف التي نفرضها على أنفسنا وجدت أننا نختار الطريقة المستحيلة، أهداف كثيرة نسعى لتحقيقها كاملة، لا نتسامح مع كل محاولاتنا ونصفعها بالفشل، لا نتغاضى عن أي عثرة، ونعد ذلك خسارة، لا نحسب النقاط على ما تحقق، إنما نسجل كل ما فسد وتلاشى.

عند وضع الأهداف يجب أن نقلص عددها، أن نعرف تماما أنه ليس ممكنا تحققها جميعها، وأنه يكفي تحقق بعضها، وبصراحة وصرامة يكفي في كل مرحلة تحقق هدف واحد فقط، لأن الجانب المظلم للأهداف أنها تسرق بساطة التجريب، سلاسة التنقل ومرونة التوقف لصناعة أهداف جديدة، وتعزز من قيمة أن تكون الهداف رقم واحد في لعبة ليس فيها منافس.

لكن المهم حقا معرفة أننا نخوض معاركنا مع عقبات قابلة للتخطي، نواجه ظروفا يمكن توظيفها واستغلالها لتكون في صفنا، ننطلق من نوايا نبيلة ونصل من خلال أساليب لا نخجل من التصريح بها، نملك سعة في الوقت وفريقنا كل الذين حاولوا وتعثروا ووصلوا.

إننا نحقق الكثير بمجرد أن نستمر في اليقين بأننا سنصل ما دمنا نتحدى الإحباط، ولأنه ما يمنعنا من الإحساس بالخسارة ويهبنا معنى وجودنا، أننا كنا وما زلنا نؤمن بأنفسنا، نعول علينا ونحفزنا، وحينها لن يتوقف كل شيء عن مساعداتنا وإلهامنا. 

مجددا: الأهداف الضائعة هي محاولات لم تنجح بالكامل، ولكنها التدريب الضروري والمثابرة الثمينة، السلوك الفطري لمقاومة الجمود والتوقف، العناد الصحي لهواجس المستحيل، الخبرات والطريقة الطبيعية للحصول على وصفة نجاح خاصة.

الهدف رحلة تبدأ من لحظة التخلق في الذهن، تتوزع على الخطوات، تتوج بتحققه في النهاية، وبدون انتظار هبات مجانية تحت اسم الحظ، يكفي الاستعداد والتنبه للفرص، وأن يكون هدفنا نابعا من رغباتنا ويناسب قدراتنا ويغطي احتياجاتنا.

وأخيرا: الحياة ليست مجموعة من الأهداف، إنها البصمة التي نريدها، القيمة من وجودنا، المعنى الذي نحب أن نعيش ونكبر وهو فينا ومعنا.

ولاحظ: في لعبة الأهداف: حارس المرمى مهدد بالخسارة، المهاجم موعود بالنصر.

2

كم مرة يمكن لنا عيش أول مرة؟ روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: كم مرة يمكن لنا عيش أول مرة؟

نتذكر أول مرة بشعور فريد لأنها ارتبطت بعنصر المفاجأة لحظة حدوثها، نعيش تجربة أول مرة من أي شيء بحماسة الاكتشاف وفتنة المجهول، ونحتفظ بأول مرة بشكل مقدس لأنها جديدة، ولأنها سكنت في مساحة فارغة من الذاكرة ومن رحلة تعلمنا وحياتنا.

أول مرة هي كل مرة، هي اكتشافنا اللحظي والمفاجأة المتجددة.

أول مرة هي الفجر وشروق الشمس وتفتح زهرة ومرجحة غصن، عبور النور من النافذة وتشكل الظلال على الجدار وركض الثواني داخل الساعة، منبه الاستيقاظ والصلاة والدعاء والخروج إلى العالم، الطريق والضحكة والانتظار والتوقف، الرجوع والمصادفات والمنتظر والمتوقع واليومي.

أول مرة هي كل الأشياء التي تبدو مكررة، أيام تظهر وكأنها مستنسخة من بعضها، حالة “ديجافو” لا تتوقف عن الظهور، الأثر المتوقع والملاحظ للمرور والأصابع والصوت والاعتياد، المشاركة والعزلة والانغماس والشرود.

أول مرة هي الخطة والخطوة والوصول، والاستمرار. أول مرة هي البداية، هي ما نتذكر أننا فعلناه مسبقا ونفعله الآن وسنفعله لاحقا. أول مرة هي التوصيف الدقيق والحقيقي لكل مرة، هي الحياة.

ولكننا ننسى أننا ننسى بسرعة، لذلك نعتقد أن شعور البداية فات علينا أن نحس به مجددا مع كل ما سبق لنا تجربته، نبالغ في الثقة بأننا استوعبنا اللحظة بكل تفاصيلها وأبعادها وأسرارها وسحرها. مع أنه وإن كان هناك مرة أولى لكل شيء، فإنه بالتأكيد يتبقى شيء واحد على الأقل يحدث لأول مرة في كل مرة.

ثاني مرة، عاشر مرة، المرة المليون لأي شيء هي مرة أولى، ولكننا في سبيل العثور على الألفة نفترض أسماء تمهد للشعور بالملل، نبتكر عناوين توصلنا إلى وهم الجمود، نعجز عن ممارسة لعبة الفوارق السبعة مثلا مع كل مرة، يعفينا من التنبه اعتناق مذهب التشابه، والهروب من اكتشاف الاختلافات، يمهد للتأجيل لأنه ما دام كل شيء مكررا فإن كل شيء قابل للتأخير، يراوغنا بخدعة أننا مشغولون بملاحظة أشياء أكثر قيمة وحديثة الصنع وطرية، وتفوتنا فرصة عيش جوهر الحياة.

وحتى إن كانت هناك آخر مرة من أي شيء ستكون أول مرة، الانتقال من مرحلة دراسية أومن وظيفة أومن شقة مستأجرة، ومع شعور الغربة في الوداع الأخير، فإن أول مرة التي كنا نتجاهلها ستكون حاضرة بطريقة مضاعفة.

بمعنى أن الاعتياد على شيء لا يعني أنه بهت بريقه، ولا نحتاج أن نكون في مواجهة المرة الأخيرة حتى نحس بقيمة المرة الأولى. وبدلا عن البحث عن شيء جديد لتجربته، يمكن لنا التنبه لشيء جديد فيما اعتدنا ممارسته.

نظن أننا نعرف المطر، وإن كان أحد منا محظوظا في هذه اللحظة ويجلس مع الهطول، فإنه سيشعر بأنه يقدر على ملاحظة شيء جديد في البلل أو الرائحة أو المشهد أو الشعور.

لأن أول مرة هي الأشكال العديدة وغير المحدودة في تموج البحر، في مرور النسمة، في الآن الملموسة والخاطفة.

في اللمسة الناعمة للنور على الشرفة مثلا، اللون المختلف والمعنى المبتكر للضوء. أول مرة هبة الديمومة لكل شيء، المنظر الذي كلما بحثنا عنه في تشكل السحب وجدناه بصورة يمكن تبين حدودها.

أول مرة هي بداية، وإن حافظنا على سحر البدايات، فإننا موعودون بالحيوية طيلة التجربة.

وأولا، إننا نعيش هذه الحياة كمرة أولى، إننا هنا حتى نكتشف، من خدعنا بأن كل شيء مجرد إعادة؟

3

أنت تشوفك. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: أنت تشوفك.

بداية فإنه منصف أن كل الذين لا نعجبهم لا يعجبوننا أصلا. أما بخصوص من نعجب بهم، فإنه لا توجد ضمانة على أن نحصل على النتيجة نفسها، ربما لا نعجبهم ومهما حاولنا لن نعجبهم، وهذا ليس عادلا لكنه طبيعي، لأنه من حق كل شيء وكل أحد أن يحصل على فرصة قبول أو رفض، أن يستجيب لاختيارات الآخرين.

ولكن قبل أن نحصل على إعجاب غيرنا أو يحصل غيرنا على إعجابنا، وقبل الخوض في قبول ورفض من نختارهم أومن نصير ضمن خياراتهم، فإن إعجابنا بأنفسنا وقبولنا لنا ومحبتنا لذواتنا تسبق كل أحد.

وعندما يكون الأمر بيننا وبيننا فإنه يبدو وكأننا نتحدث عن أعداء بينهم – في أفضل الأحوال – معاهدة سلام، أو كأننا نحاول وصف شخص صادفناه في لحظة خاطفة ولم نميز ملامحه بدقة، أو كأننا مرغمون على التعايش مع شخص لا نحبه ولكننا لا نملك غيره، أو كأننا نهرب منه إلى كل أحد حتى لا نكون معه.

في الحقيقة، يبدو مؤذيا ملاحظة أننا نبحث في اختبارات تحليل الشخصية والأبراج وتصورات الناس لمساعدتنا في التعرف علينا، وننتظر أن يملك أحدهم القدرة على الغوص في أعماقنا ويتكفل بنقل صوة لنا عنا، ونحب الذين يملكون القدرة على خداعنا بأن يزوروا حقيقتنا، ويمتدحوا أشياء نعرف ويعرفون أنها ليست فينا، ولكن نقول: ما دام يرى ذلك غيرنا فإنه بالتأكيد موجود في داخلنا.

لأننا وعلى الرغم من أننا نعيش معنا طيلة الوقت، إنما نسمح بأن نتنازل عن هذه العلاقة الطويلة، في مقابل أن يحكم علينا أي أحد بسبب موقف أو تقاطعات في أوقات محدودة، ونضع اعتبارات وأولوية للأفكار ووجهة نظر أي أحد بخصوصنا أكثر مما نتصوره فعليا عن أنفسنا، لدرجة أن نكون جيدين عندما يرى الآخرون أننا جيدون، ونكون سيئين عندما يرى الآخرون أننا سيئون، نتحرك على حسب توقعات خارجية وكأننا نتحاشى أن نخذلهم ولا يهم أن نخذل أنفسنا.

ومع وجود فلاتر ومنصات ونوافذ وأدوات تساعد على التزييف، فإننا تدريجيا نصير شبيهين بما صنعناه ويحدده العالم، ولا نشبهنا.

ولوقت طويل ساهمنا في تعطيل عيننا الداخلية التي نبصر بها حقيقتنا وجوهرنا، انجرفنا بقدر كبير من الكسل إلى التنبه لأنفسنا، وما توقفنا عن التصريح بصداقتنا لكل أحد وكراهيتنا لنا، حد أننا – وأقولها بمرارة – وصلنا إلى أننا لا نعجبنا ولا نرغب فينا، ثم يثير فينا الغرابة أنه لا أحد مستعد لأن يختارنا.

ومثلما يحز في خاطر الواحد منا أن يرى في شخص أشياء جميلة لا يراها الشخص نفسه، أو يكون واضحا الجزء البغيض في أحدهم ويواصل نكران الأمر، فإننا نرتكب جريمة في حق أنفسنا مع وجودنا معنا بأن نستمر في معرفة كل أحد أكثر مما نعرفنا.

أنا أجلس مع نفسي، أراجع تصرفاتي ومواقفي، أتأكد من صلابة مبادئي، أطالع في المرآة، أراقب من مسافة بعيدة كيف أبدو وكيف أتصرف، أعترف بالمزايا والعيوب فيني، نقاط قوتي وضعفي، لأنني لا أريد أن يكون أي أحد في العالم أقرب لنفسي مني، لا أسمح أن يعرفني غيري أكثر مما أعرفني.

وأحب أن يحظى الجميع بفرصة تقديم ذواتهم، العيش في وهج حقيقتهم، أن يحصدوا ثمر فرادتهم بأن يكونوا أنفسهم، وقبل العالم أن يكونوا أول وأكثر شخص يعجب ويتباهى بهم.

4

شهوة الإنجاز وإدمان التملك. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: شهوة الإنجاز وإدمان التملك.

خطر ببالي سؤال مستفز، وهو: هل نحن الأشياء التي نملكها؟ أم الأشياء التي ننجزها؟ لأنه إما أن تكون مشغولا بالحصول على شيء، أو أن تكون مشغولا بفعل شيء.

في حال سيطرت عليك رغبة التملك فإنك تتورط بالجوع والأنانية، لأنك ستقاتل على أن يبقى كل شيء مخصصا لك وحدك، وستكون على الدوام تحت تهديد غواية شيء آخر يثير شهية التملك لديك ويفسد ما في يدك.

لكن، إذا كنت من عشاق فعل شيء والإنجاز، فإنك غالبا ستواجه مشكلة وجود مهام عالقة، التعثر الطبيعي أثناء اختبار المسير، فقدان التلذذ بالرحلة والتعهد بالفرح إلى لحظة الكمال.

التملك مرض بالطمع واحساس مختل بالفقر، احتياج يستحيل أن يصل إلى مرحلة الشبع، اجتياح على خيارات ليست ضرورية، احتجاج على الحظ والمتوفر، تعبير عن الخواء، وأن القيمة الذاتية تأتي من ممتلكات مادية ومحسوسات خارجية.

الإنجاز لعنة مستعرة، هدر للطاقة خلف سراب أهمية تحقيق شيء كل لحظة، استغناء عن التأمل والتعلم وتركيب نتيجة فريدة، اعتراض خفي للصبر والتمهل في سبيل تحقيق الخلاص، وكأنما الأمر مجرد إنهاء مهمة وحسب وبأي طريقة.

في منطقة ثالثة، يمكن المزج بين التملك والإنجاز بوصفة بسيطة تتعلق بأن كل فعل سبب، والحصول على الشيء هو النتيجة.

الإنجاز دافع في حال كنت تفتقد إلى الرغبة، محفز في حال احتجت إلى مبرر، إشارة إذا أحببت أن تعثر على دليل، في الوقت نفسه يمكن استبدال الإنجاز بالتملك في هذه المعادلة، لذلك أنت حر في أن تعيد صياغة ما سبق ليكون: التملك دافع في حال كنت تفتقد إلى الرغبة، محفز في حال احتجت إلى مبرر، إشارة إذا أحببت أن تعثر على دليل.

لأنه لا يمكن تصور التملك والإنجاز على هيئة خطين متوازيين، أو رغبتين متضادتين، بل هي شيء يؤدي إلى شيء، وبالترتيب الذي يناسبك: إنجاز يحقق التملك، أو تملك يحرض على الإنجاز.

ولو أن الإنجاز مثل الوظيفة لكان التملك هو الراتب، ولو افترضنا أننا وضعنا مهمة لإنجازها والمكافأة ستكون الحصول على ساعة يد، فإنه طوال فترة العمل وفي كل ساعة ينمو ارتباط بين هذه اللحظة والهدية المنتظرة، وعند إتمام الأمر والحصول على الساعة، فإنها تمثل طريقة للتذكر وفرصة للتباهي، وفي كل مرة ينظر الشخص فيها إلى الوقت فإنه يتذكر لحظة كان يبحث فيها أو يكتب أو يتأمل أو يراجع أو يعيد كل شيء أو يرتب فكرة، في كل دقيقة ستصادف في ذاكرة كل شخص منا لحظة كنا فيها نمهد ونرتب لشيء، نتأهب لشيء، نستعيد شيئا.

وبشكل أكثر وضوحا، في حال أن التملك هو الهدية، فإن الإنجاز هو التحضير للهدية واختيارها وتغليفها وتوصيلها. التملك وصول ومكافأة التعب، بينما الإنجاز هو الطريق والركض والخطوات والمثابرة، التملك ردة الفعل، في حين أن الإنجاز هو الفعل.

وببساطة: أنجز ما تريد أن تمتلكه.

5

خلخلة المنطق. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: خلخلة المنطق.

المنطق الذي أتحدث عنه هنا مختلف عن مفهوم أرسطو والنظريات العلمية، أنا أتحدث عن المنطق في حياتنا، وهو– بالمناسبة – من وجهة نظر متواضعة غير موجود، لأن ما نعيشه يفرض علينا التسليم بشيء أسميه “اختلال المنطق الشعوري”.

ومع أنه طبيعي الاتفاق على حقائق واسعة، مثل: نهاية الليل ووصول الفجر وشروق الشمس، غيابها في نهاية اليوم وحلول الظلام، الاستيقاظ بعد النوم والشبع بعد الأكل والوصول بعد الركض.

إنما وبالدخول إلى الأعماق فإننا أحيانا نشعر بأن الليل لم ينته في حال تعرضنا لموجة من الاعتلال في المزاج، أو أن نشعر بأننا نبحث منذ وقت بعيد ولم يحن موعد الاكتشاف، أو أننا نركض ولا نعرف كيف نعود أو متى نتوقف أو إلى أين نتجه، أو كيف أننا نفعل أشياء جيدة وتكون نتيجتها سيئة، أو أن النبتة الطيبة لا تثمر زهرة طيبة، أو أن ما فعله غيرنا لم يحقق النتائج نفسها عندما تجرأنا وفعلناه.

القائمة لا تنتهي بخصوص “اختلال المنطق الشعوري”، ارتباك المفاهيم في تجاربنا الفردية، وهذا ما نبهني إلى أن الأرقام وحدها هي المنطقية، (واحد زائد واحد) يساوي اثنين، (واحد ضرب واحد) يساوي واحد.

لكن في حال خرجت الأرقام من مفهومها المجرد ودخلت إلى واقع الحياة فإنها تتمرد على طبيعتها، لأننا نعرف أنه في مرات كنا مع آخرين ولكن لم نشعر أننا تجاوزنا وحدتنا، وأننا جربنا استخدام طريقة غيرنا في التعامل مع الناس ولكن لم نحصد ما يقترب ولو قليلا مما تعهدوا لنا بحدوثه، قدمنا مشورة أو حصلنا على مشورة بخصوص بعض المواقف وكانت النهاية محبطة.

مشكلة المنطق أننا نتعامل معه مثل وصفات الطبخ، أو دليل التعليمات، ونغفل عن الجزء الخاص بنا، تأثيرنا في كل تجربة وتأثير كل تجربة علينا.

ما أجزم بصحته أننا كائنات تستعصي على صلابة المنطق، مركبات مصنوعة من تموجات وعناصر تتداخل بنسب متفاوتة ومتغيرة ومتجددة، يتمازج فينا الشعور مع الأفكار والمواقف في اللحظة نفسها، نتذكر ونتوقع ونفترض ونتصرف، لدينا معطيات ونعرف عددا هائلا من النظريات، وبينما نعيش نكتشف وجود ثغرة يتسرب منها إحساس بالضياع، نكون في مواجهة حقيقة أن العالم الذي نتصوره ونظنه مختلفا عن الواقع الذي نعيشه، وأن المنطق مجرد إشارة ووقوف على مقربة من الحياة وليس دخولا إلى جوهرها.

ولا يعني كل ما سبق عدم وجود منطق، أو التسويق للفوضى والعبثية والتمرد، إنما القصد من كل هذا أن المنطق لون واحد ولكنه متعدد الدرجات، مساحة واسعة الاحتمالات، اعتبارات متفاوتة في النسب من شخص إلى آخر.

في المجمل، إن المنطق مثل عملة نقدية، وبوسع كل شخص منا أن يستثمر بالطريقة التي تناسبه.

إن تأملنا غابة مليئة بالأشجار من النوع نفسه، سنلاحظ أنها تختلف في شكل الجذع أو الفروع، توزيع الأوراق أو انعكاس الظلال أو التمايل مع النسمة.

إن المنطق بالأصل مثل بذرة، وتجاربنا الخاصة أشجار، ولكن لا توجد شجرة تشبه شجرة أخرى تماما.

الخلاصة: أن لكل منا منطقه الخاص والمتغير، منطقته الواسعة، وهذا ما يساعدنا ويسمح للمرونة والاختلاف بأن يكونا جزءا أساسيا من طبيعتنا، وفي حياتنا.

6

الخيارات والاختيارات. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: الخيارات والاختيارات.

الحياة برأيي مجموعة واسعة من الخيارات وقائمة محدودة من الاختيارات، الخيارات هي المسارات والفرص المتاحة، الموجودة دون جهد بشري، إنما ضمن هبات الله لكل المخلوقات.

لكن الاختيارات هي طريقتنا في الانتقاء، هي ما نختاره ونقرر السير فيه ومن خلاله، هي تجاربنا الخاصة وقراراتنا الفردية.

الخيارات بالأساس تأتي أولا، هي مساحة رحبة لنا وللآخرين، ظروف مواتية وبيئة صالحة للاستغلال والتوظيف بحسب رغباتنا. واختياراتنا ما نطلق عليها تسمية حظ لتكون قدرا صنعناه، ونمط حياة نذهب إليه ويصير شيئا منا.

الخيارات لا تخضع للتفضيلات أو تنصيف جيد أو سيئ، إنها دروب مختلفة وعديدة وواسعة، ما يحدد المناسب لكل شخص هو الشخص نفسه، قدرات وإمكانات كل واحد منا، مجهزة لأن تنبهنا لاختيار ما يتوافق مع احتياجاتنا وأدواتنا.

المربك أحيانا أننا نحاكم خيارات الحياة بقسوة، نلقي عليها اللوم وتهمة تقييد ركضنا ووصولنا، مع أنه في الحقيقة التي قد تضعنا في مواجهة صادمة مع أنفسنا أن العتب هو على اختياراتنا، نحن من نجهل في البداية ماذا نريد، ونحن من نرضخ لسلطة تحكم الآخرين ورغباتهم، نحن من نرهن ذواتنا في قوالب لا تشبهنا ولا ترضينا.

أعرف أنه بالنسبة لي وقبل الآخرين، عشت أوقاتا كثيرة وأنا محاصر ومتورط مثل غيري بما افترضه وقرره العالم، وهذا جانب مرهق في ذاكرة الأغلبية من الناس، إنما لا أخجل من الإقرار بأنه طالما شعرت بأنه يمكن الخروج من أن تكون حياتي مفصلة على قياس ما يريده العالم، لتكون حياتي مفصلة على قياس ما أرغب فيه، التنازل عن إرضاء الناس مقابل إرضاء نفسي، لأنه – وهذا مؤكد – عندما نختار وننجح حتى لو بعد حين، سيكون كل من ظن وحكم علينا بالتمرد أول من يصفق لنا ويؤيد ما صرنا إليه.

الحياة خيارات لا نحصل عليها بالتحايل أو بالتنازل، إنما نستحقها عندما نتجرأ على اختيارها وعيشها.

ومقابل الانشغال والنقمة على اختياراتنا يمكن لنا التوقف، تأمل الخيارات التي فوتناها، القابلة لأن نستغلها، الموجودة وتنتظرنا، تنادينا منذ وقت طويل وتغازلنا، وربما بمجرد التنبه لها نلاحظ كم هي مثالية وتستحق وصف: هذا بالضبط ما كنا نبحث عنه، هذا ما سنذهب إليه.

الإيمان بوفرة الخيارات يثير داخلنا الرغبة بالمحاولة والاستيقاظ، ينقلنا من خانة الإجابات المحبطة إلى الأسئلة المحفزة، من الاستسلام إلى ضرورة النضال، من حالة التوقف إلى حيوية التجريب، وأنه يمكن لنا تعديل المسار وطلب المساعدة.

إننا نعيش ليس من أجل تأدية مهمة، إنما في سبيل اكتشاف مغزى، نعيش بيقين أن خياراتنا الجيدة منجم واختياراتنا ضربة المعول.

ما أقوله هنا هوما أعتقده، ما أحاول الاستمرار في تجريبه، شيء مختلف عن الإيجابية الحالمة والخادعة، بعيد عن رفض التصالح مع الواقع أو التكيف، إنه ببساطة شعور بالرضا مع حاجة لتحقيق الأفضل.

خياراتنا دائما أكثر من اختياراتنا، لا أضمن أنها أفضل ولكن أراهن على وجودها، ومهما نستهلك منها فإن هناك المزيد، ويمكن لكل أحد التأكد من ذلك، أو على الأقل القبول مبدئيا بأنه ممكن أن تكون فعلا: خياراتنا دائما أكثر من اختياراتنا.

7

متاهة التغيير. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: متاهة التغيير.

قررت أنني لا أريد أن أتغير، وهكذا دون قصد تغيرت، لأني – مسبقا – لاحظت على نفسي والآخرين الذين صادفتهم أو صادفت تجاربهم، أنه مقابل كل نية تغيير هناك خطوط دفاع قوية وصلبة ومحبطة.

وفي الواقع إن التغيير أمر فطري، نكبر ونتأثر ونتعلم ونتجدد، نخوض تجارب ونتحرك، نعيش مواقف ونتعرف على أصدقاء، نواجه تقلبات العالم وفوضى خروج الناس عن طبيعتهم، ننصهر ونقاوم ونتنازل، نهب أنفسنا تبريرات واستثناءات لكل سلوك يقع خارج سيطرتنا على ذواتنا.

إننا نتغير إلى الحد الذي يجعلنا نبحث عن وسائل تساعدنا على الثبات، على التماسك والصلابة، أن يبقى لنا شكل يخصنا، ومزايا وعيوب تختصر على الآخرين ملاحظتنا والقرب منا، أو الحصول على أعذار للتفريط بنا، نلتزم بمعتقدات ومبادئ وأفكار نناضل ونعيش للدفاع عنها وتأكيد أهميتها، مواقف يؤذينا أن نتذكرها ونحن ما عدنا نؤمن بضرورة ما اخترناه حينها، وجهات نظر خضنا معارك طويلة للفوز بالموافقة على صحتها.

أحيانا ما يمنعنا عن فعل أمر ما أو تنفيذ قرار هو التصريح به، شعور وهمي بأننا فعلناه، خطوة في الخيال لا تكلفنا أن نتحرك أو نبذل أي جهد، استطراد يهبنا لذة تحقيق المراد، لأن الكلام عندما يصير بديلا عن الفعل فإنه يفسد التجربة.

وحتى لا ندخل في متاهة التغيير، ضبابية المجهول، فإن التغيير بالنسبة للحياة يشبه دائرة، وهكذا تصنع تجددها.

لكن التغيير بالنسبة لنا هو أشبه بالمحطات، إننا نتغير ولن نتوقف عن التغير، إنما يمكن حدوث ذلك بطريقة واعية ومفهومة، أن نتناغم مع الحياة ونستغلها لمساعدتنا، لأنها تجري الرياح بما تشتهي السفن، البحارة جربوا ذلك واستفادوا من قوى الطبيعة، وحدهم الذين جلسوا على الشاطئ قالوا أشياء سيئة عن الرياح والرحلة، رغبوا في أن تنتهي مغامرتهم قبل أن تبدأ.

أنت، أنا، نرغب في أن تستمر حكاية نبني فصولها ونؤثث لحظاتها، ونواصل في مغامرتنا لأنها حياتنا.

لذلك إننا نتغير ما دمنا نعيش، نتغير لأن السكون سمة تخص الذين يميلون إلى الجلوس خارج فاعلية الزمن وحيوية التجدد.

إننا نتغير ما دمنا نسمح للمرونة بأن تكون جزءا من تشكيل طبيعتنا، ولكننا سنفشل في إحداث التغيير إن كان الأمر مجرد رغبة عابرة، ونية خاطفة لا تتكئ على ضرورة صحية.

نقطة أخيرة: كل الأشياء تمارس التغيير حتى لا تفسد، وإن كنت تظن أنك جيد بما يكفي، أرجوك لا ترتكب حماقة تشويه نفسك.

وإن تغيرت لا تصر غيرك، لا تبتعد عنك، كن أنت بنسخة أفضل منك.

8

الخطة أو الروتين. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: الخطة أو الروتين.

تستهويني فكرة وجود خطة، تحديد المعطيات وتوقع النتائج، توزيع الأهداف على مجموعة من الإجراءات المرتبة زمنيا، متابعة المراحل وتسجيل الملاحظات والتأكد من السير وفق الجدول المقرر سلفا، تحويل التصور النظري إلى واقع ملموس وعملي، والالتزام على المدى الطويل.

وبالفعل، جربت ذلك أكثر من مرة، وكنت قريبا من أشخاص يعيشون وفق فكرة التخطيط ويحققون توافقا بين المأمول وما يحصل في النهاية، بنسب متفاوتة تصل أحيانا إلى درجة عالية من البراعة، يؤثر على ذلك وجود مرونة وبدائل في حال ظهرت تحديات أو نتائج خارج التوقعات الأولية، إنما وفي الحقيقة سبق أن رأيت من يخطط لتحقيق هدف ويبدأ التنفيذ ويصل إلى نتيجة مقاربة للتصور المبدئي.

لكن بالنسبة لي، وبسبب طبيعتي التي تميل إلى تقدير عنصر المفاجأة، فإنني طالما واجهت مشكلة مع الخطط، وهذا لا يعني معارضتي للأسلوب أو التشكيك بفاعليته، إنما لأنه يمكن العثور على فلسفة ذاتية تتعلق بما جربته وأثبت نجاحه، وهو الروتين.

طريقتي لتحقيق أي هدف تعتمد على ابتكار شكل لتفاصيل يومي، استغلال طاقة الاعتياد حتى تصير بعد وقت قصير من التمرين إيقاعا متناغما وطقسا مقدسا.

الأمر يشبه حالة تستحوذ على انتباهي منذ وقت طويل، إنه التأثير المتتابع لانهمار قطرة ماء من صنبور فوق صخرة، إلى أن يظهر انحناء صغير، بما يصنع مفارقة في ميزان القوة بين الصلب والسائل.

وليس من أجل التباهي، إنما للإثبات فإنه خلال تجاربي مثلا في الكتابة وما انعكست عليه من إصدارات أو تدوينات أو مقالات أو نصوص أو مشاريع، فإنه ساعدني تحويل الكتابة من هواية في وقت الفراغ إلى ممارسة يومية.

إجمالا، ساعدني الروتين على الاستفادة من أوقات كان يمكن أن تهدر، لولا أن شكلا يوميا فرض النمط الذي حرضني، وما زال يحرضني على تأدية مهام خاصة.

الروتين خطة طويلة المدى، استراتيجية فعالة لتحقيق شيء ما، أو الحصول على اكتشافات لم تكن متخيلة أو منتظرة.

الروتين يكتسب حيويته من أربعة عناصر: الاعتياد والألفة، استجابة المحيطين بنا وتقديرهم لوقتنا الخاص، تقليل فرص الانغماس في خطط الآخرين، الشعور بالاكتفاء والتلذذ بتجريب الخروج المؤقت للعالم من حين إلى آخر.

المهم في الروتين أن يظل محميا بأدوات التجديد داخله، أن يكون طبيعيا الإحساس بالملل أحيانا ولكن التأكد أنه عابر، وبداية بالضرورة اعتماد وجود مكان وتوقيت، والسماح لبقية الأشياء والعمل والمسؤوليات الأخرى أن تتحكم في بقية اليوم.

تقريبا، إن عشرين في المئة من الروتين الخاص، تصنع الثمانين في المئة من مساحة التواجد في أماكن أخرى، وبذلك يتحقق توازن وحضور مثمر لنا ولغيرنا، في حياتنا وحياتهم.

الخطة منهج وآلية، الروتين سلوك واعتياد، وأنا أختار الروتين، لأني أحب مفاجأة نفسي بتحقيق شيء، بينما أعيش حياتي الطبيعية والبسيطة.

وهذه طريقتي الخصبة، وما أعده شخصيتي ومساحتي الخاصة.

9

وحشية المزاج. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: وحشية المزاج.

حالات المادة الثلاث في الفيزياء الأكثر شهرة وانتشارا هي: الصلبة والسائلة والغازية، لكن بخصوص الشعور فإنه يمكن أن تكون الحالة المزاجية في يومنا الحالي هي الحالة الهلامية، خليط مركب من الإحساس والأفكار والتأثر، عملية معقدة من المزج والتمويه.

وأظن أنه لا شيء خضع لعمليات النفخ والتضخيم أكثر من الحالة المزاجية، لدرجة أنه يمكن ظهور اختراع يخص تكميم المزاج.

ومشكلتي الشخصية مع المزاج هي في انتقاله من أن يكون ردة فعل ونتيجة لما نحسه ونشعر به ونتصوره وننغمس داخله، إلى أن يصير هو الدافع والمتحكم في تصرفاتنا، حيويتنا ومدى تفاعلنا أو انكماشنا على ذواتنا.

بالنسبة لي، وبسبب اهتمامي بوضع شكل ومعنى للمفاهيم، فإني أرى المزاج موقفا غير واع باتجاه مؤشر غير واضح، وهوما يظهر في اندفاعنا وحماستنا للحياة والعالم عندما نظن أننا في حالة مزاجية جيدة وإيجابية، في حين يفرض علينا ارتدادا إلى أنفسنا وهروبا إلى أعماقنا في الحالة المزاجية السيئة والمتشائمة.

المزاج حينما فكرت في تحليله وجدت أنه تحول من حالة شعورية مؤقتة إلى سلوك ضمن سمات الشخصية، واعتقد أن هذا التحول حدث بناء على تأثير أربع نقاط:

الأولى تتعلق بالربط بين المزاج والإبداع، بحيث صارت حالات التجلي والإلهام والفاعلية العالية والحيوية، مرهونة بقالب المزاج.

والنقطة الثانية تمثلت في الاستجابة المكثفة للتغذية السامة، بواسطة الأغاني الكئيبة والهواجس والقلق المفرط، والدراما وموجات الاضطراب اللحظي.

النقطة الثالثة ظهرت بسبب التساهل في تبرير الانفعال والغضب والاستفزاز والملل، بالوقوع تحت وحشية المزاج الداكن.

أما النقطة الأخيرة فأظنها تشكلت من خلال تفسير كثير من المواقف الخارجة نسبيا عن المألوف، على أنها دلالة على أن الشخص مزاجي، وهوما نشأ عنه مجتمع المزاجيين.

الأمر تقريبا يشبه تبسيط نزع الألوان عن الكلمة والشعور، في حال كان التعبير عن المزاج، خروجا بالمعنى من إطاره الضيق والمحدود إلى مساحة تطغى على كل شعور، لأنه يصعب التعامل مع شيء دون أن نفهمه، ويستحيل بوجود قائمة طويلة من التصنيفات والنظريات للانفعالات العاطفية المحددة والواضحة، أن يتم تجاهلها جميعها والإقرار بسطوة المفهوم العائم: المزاج، الذي صار يعبر عن أي شيء، وكأنه كل شيء.

المزاج إضافة إلى أنه موقف غير واع باتجاه مؤشر غير واضح، هو أيضا تعبير مراوغ لكل ما نشعر به لحظيا ولا نرغب في السيطرة عليه، تجسيد حقيقي للاستجابة المبالغ فيها، استحواذ من مجهول.

ولذلك، وإلى أن يصل العالم إلى تحديد معنى المزاج وكيفية حدوثه والتعاطي معه، فإني أقترح التوقف عن استخدامه للتعبير عن الحال، أورهن حياتنا لسلطته، مقابل السماح للعواطف بأن تتخذ اسمها ومساحتها الطبيعية وتأثيرها المصنوعة لأجله.

وأن نصف شعورنا بدقة ووضوح، حتى يسهل علينا التعامل معنا، ويصير بوسع الآخرين مساعدتنا أو التوقف عن التورط في ضياعنا.

10

ضرورة التجاوز. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: ضرورة التجاوز.

عندما فكرت بشكل مركز في مفردة التجاوز، وجدت أن أول ما يخطر ببالي مشهد للطريق ومسارات عديدة ووميض إشارة، وبعدها بلحظات يكون التخطي، ذلك في حال لم تعترض طريقي مركبة، ولم أصادف وقت الذروة والازدحام.

لكن في واقع الأمر فإن التجاوز يتعدى بمراحل هذا المفهوم السلس، لأنه بطبيعة الحياة مواجهة أزمة أن نكون عالقين في لحظة ما، ما قبلها طفيف وعابر، وما بعدها بطيء وخانق.

ومع أنه بدهي أن تختلف ظروف التورط بين الناس، البعض يكون عالقا بسبب شخص أو موقف أو تجربة أو عشم أو ذكرى، لكننا نتفق جميعا في رغبة التجاوز، الخروج عن سيطرة شيء ما يتردد صداه في أعماقنا، لحظة تتكرر طيلة الوقت، وكما لو أن أقدامنا مغروسة في وحل، خطواتنا تتعرض لقوة مضاعفة من الجاذبية، أطرافنا لزجة، أجسادنا مثقلة بأحمال تتجاوز الكيان المادي، إننا نبدو مثل ورطة صورة داخل إطار، مقيدة في لحظة من الجمود.

في الحقيقة، ومهما يكن شكل تورطنا، فإنه بالمجمل غالبا، هو نتيجة شيء من الماضي، ولأننا لا نملك القدرة على العودة بالزمن، ولا يمكن الرجوع وتغيير ما حدث مسبقا، فإننا ومع شعورنا بالعجز إلا أننا بحاجة الاستسلام، الاعتراف بأنه ليس بوسعنا إنقاذ أنفسنا مما تلاشت قدرتنا على التحكم فيه، إنما ما زالت لدينا الفرصة في إنقاذ أنفسنا في هذه اللحظة وما بعدها.

وعلى الرغم من الحذر والتنبه والجهد في تحاشي التورط، إلا أنه سيحدث حتما، لأننا ما دمنا نعيش ونركض سنتعثر ونسقط في مصيدة التورط، فخ التقدير الخاطئ.

التعلق بشيء جيد أو سيئ، هو التزام يتجاوز حدود القدرة على الحركة، وتد في طرفه حبل يرسم مجال خطواتنا، سجن داخل عقولنا نفرضه علينا ونعاقب أنفسنا بسببه.

السر والسحر، أنه يمكن لنا الحصول على منحة التجاوز من خلال الاعتراف بداية بأننا عالقون، وأن الورطة مدسوسة في عقولنا فحسب، بمعنى أننا عالقون ولكن ذهنيا.

وفي الوقت نفسه إدراك أننا نتعلم من كل ما نعيشه، الاستمرار والمواصلة، ومن الغضب أو السخط نأخذ وقود فحم قطار رحلة العمر، وتخيل أننا تجاوزنا ما كنا متورطين فيه، افتراض العبور، لأنه في مرات كثيرة يساعدنا أن نتحايل على أنفسنا، ونتخطى وهم الجمود بوهم التحرر.

التجاوز قرار متجدد بالتوقف عن النظر إلى الخلف، عن العيش في الأمس، والتفرغ لهذه اللحظة، للأيام القادمة، للحظوظ، للخيارات، للأشياء التي تنزعنا ببطء عن شيء فاتنا تغييره، إلى ما يمكننا السيطرة عليه.

وهكذا ننسى ما نفكر فيه طيلة الوقت، ويكون ما نتذكره لبعض الوقت. فارق بسيط لحظيا، لكن تأثيره عميق وكبير تدريجيا.

التجاوز ضرورة، صعب الحدوث ولكنه متاح، تخفف يساعدنا على الخروج من هناك والدخول إلى هنا.

11

التفكير داخل الصندوق. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: التفكير داخل الصندوق.

كنت أشاهد مباراة كرة قدم عندما خطر في ذهني أنه في المستطيل الأخضر تبدأ وتستعر وتتحقق نشوة الوصول والمنافسة، وكل شيء بعد خط التماس، سواء المدرب أو الجهاز الفني والإداري والجمهور عندما كان يحضر إلى الملعب، أو مثلما يفعل الآن ويتابع من الشاشات الفضية، فإنهم جميعا خارج التأثير المباشر.

ولأني مفتون بالمقاربات، تنبهت إلى هوس خاص بفلسفة “التفكير خارج الصندوق”، نمط استحوذ على استراتيجيتي في الحصول على معنى، ولاحظت كيف صار شائعا ورديفا للانفتاح والرحابة النداء باعتناق الخروج عن القالب، تخطي الحدود والتمرد على القواعد، ومع أنه في حرم الإبداع يمكن قبول فكرة القفز فوق حواجز المتوقع وأبعد من الاستسلام لمفهوم المستحيل.

إنما وبالمقابل، العودة إلى داخل الصندوق، الركض في المساحة الضيقة لا يبدو بالبشاعة التي كنت أتحاشى اليقين بفاعليتها.

إنه أسلوب لا يقل جدية وأهمية عن مذهب الخارجين عن الصناديق، لكنه يمتاز بمستوى أعلى من المنافسة والتحدي، حركة منضبطة وتستند على اليقين بوجود درب مواز للخلاص من مآزق الحيرة، في استثمار ما يتوفر في حيز دائرتنا من أدوات.

ولأنه مثلما يثير الدهشة منظر عداء يقطع المسافات ويصنع المدى، وكما أنه ملهم مراقبة تحليق العصافير ورفرفة الأغصان ورحابة السماء، إلا أنه في الوقت نفسه تتجسد فتنة وبراعة في التناغم الناتج عن تفاعل عنصرين في مركب كيميائي، دوران الرحى وتكتكة الساعة والسير في الغرفة لاستسقاء قصيدة.

داخل الصندوق وفي المسافة الخانقة تشكلت الأبواب والنوافذ وتخلقت حيوات عديدة، استجابة لسلطة الإطار وتعليمات التقييد بالمساحة، تحققت معجزات من اللوحات الفنية والأعمال الأدبية والألحان والمفاهيم الأصيلة.

اليوم، ومع الميل إلى أن الخروج عن الصندوق هو النجاة، أظنه ضروريا الإشارة إلى أن الرجوع والبقاء في ظل محدد الأبعاد لهما محاسنهما وانعكاساتهما المذهلة، وإذا ما كان التفكير والعثور على الحلول يشبهان الفوز بجائزة، فإنه يجب – واعتذر عن مفردة التسلط في كلمة يجب – إنما أفترض أهمية تحقيق توازن بين الخروج والعودة إلى الصناديق الخاصة بنا، إنه مثل تنشيط فصي الدماغ المنطقي والعاطفي، الواقعي والخيالي، وبذلك نعرف أنه بدلا عن السير في طريق واحد فإننا نحظى بمسارين.

ولأنني هنا أحرض على الرجوع إلى داخل الصندوق بتناسب مع ما يحدث من الخروج، فإني أرجح كفة العودة باعتبار أن أغلب تجارب المعالجة الفنية المدهشة اقتبست من قوانين الألعاب، قوانين ومساحة ووقت كلها مشروطة، وكلما زاد التحدي كان الحصول على فكرة عبقرية لا يشبه الفوز بجائزة فحسب، بل امتلاك كنز.

أختتم بمقولة يوهان كرويف عن الأسطورة البرازيلي روماريو: إنه اللاعب الذي يستطيع المراوغة في علبة كبريت.

12

خدعة الحياة البديلة. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: خدعة الحياة البديلة.

هناك أزمة يمكن وصفها بالتنازل عن الحياة الحقيقية في سبيل العيش في الحياة البديلة، بحيث يتخيل الشخص في البداية أنه كان يمكن أن ينتسب إلى عائلة غير عائلته، ويواجه تجارب مختلفة عن كل ما يمر به فعليا، ويتنقل في محطات لا تشبه واقعه الملموس، ويتعرض لظروف يصعب أن تقترب مما يستيقظ كل يوم ويجد نفسه فيها، حد أنه يفترض تفاصيل وصداقات ومواقف لم تحدث، وإن حدثت لا يكون هو طرفا فيها ولا شاهدا ولا متلصصا حتى، ويستقر في مكان غير الذي كبر فيه ويتخيل فيه من داخله حياته البديلة البعيدة هناك.

الحياة البديلة شكل حديث من الغربة الاختيارية، حكاية رومانسية فائقة الروعة بسبب أنها حالة وهم متخيلة، تعتمد على قدرة الشخص على تجاهل العوائق، وغض الطرف عن التحديات والانحياز للسلاسة الناعمة، ركض خلف لحظة حالمة يكون فيها الفرد متحكما ومسيطرا على مسار وقته وشكل أيامه، وبالتالي فإنه طبيعي الحصول في كل مرة على نشوة مفتعلة، تعزز من اليقين الكاذب بشيء كان يمكن حدوثه ليصير شيئا يحدث، لكن ذلك في الذهن فحسب.

العالم الحديث رتب البيئة المحفزة للانخراط في عوالم افتراضية وشخصيات مزيفة، والتطبيقات المتطورة كل يوم تساهم بوحشية في اتساع مقارنة الشخص ظروفه مع ظروف الآخرين، وتدريجيا كلما تضاءلت الحواجز الحاجبة للتوغل إلى حميمة وأسرار الناس، زاد الفضول والنهم لاكتشاف المزيد، ونبتت عقد من رفض الشخص لواقعه وحياته وسخطه لأنه لا يحظى بالنصيب نفسه من الحظ.

ومجددا، يتنامى الهوس بالحياة البديلة والتفريط بالحياة الحقيقة، وفي كل يقظة يلاحظ الشخص كيف أنه صار أغلب الوقت خارج واقعه، بعيدا عن التأثير على الشيء الوحيد الذي كان يتحتم عليه التنبه له، ضائع بين التمني والعجز عن القيام بخطوة تعيده إليه، وهكذا يتحول الناس من الاهتمام بمصيرهم إلى الاهتمام بمصير الآخرين، ولا يعود غريبا أن الأغلبية يعيشون حياة لا يرغبون بها.

الجيد، والمبهج أنه يمكن لكل منا التوقف عن ملاحقة السراب وملاحظة الواقع، الرضا عن المكان الذي نحن فيه الآن، والعمل من عند هذه النقطة للوصول إلى الحياة التي نريدها، وبالتأكيد لن نحصل على كل شيء نريده، إنما سنعيش وحياتنا خالصة لتحقيق ما نصبو إليه، نوظف الوقت المهدر في مراقبتهم من أجل مراقبة خطواتنا، التفريط بالكسل والراحة الخادعة مقابل التلذذ بالتعب والمحاولة والتدريب على الوصول إلى بعض مما نرغب في تحقيقه.

وإن كان متاحا لنا العثور على حياة بديلة، فإنه مؤكد أنها لن تكون بالتطفل على حياة غيرنا، ولا من خلال المقايضة بحياتنا، ولكن بواسطة توفير البدائل حتى يصير في حياتنا حيوات كثيرة.

ومن المهم إدراك أن حياة نعيشها بكل حواسنا، هي أكثر قيمة من حياة بلاستيكية لا نلمسها ولا نضع بصمتنا فيها.

13

غواية التفاصيل الصغيرة. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل

أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

هذه الحلقة بعنوان: غواية التفاصيل الصغيرة.

حينما قررنا التنبه لكل شيء، الحذر من تفويت أي شيء، تورطنا بالتنازل عن الصورة الكاملة والنظرة الشمولية. وشيئا فشيئا ما عاد في ذاكرتنا غير أطراف حكايات وبقايا أيام، وصار ما يشغلنا محدود في معناه ومبتور في مداه.

غواية التفاصيل الصغيرة جاذبة وسارقة، تأخذنا إلى دهاليز الربط والتتبع، تعلقنا بفكرة ناقصة ومساحة رمادية.

وأظن أن جاذبية التراكيب الدقيقة والقطع الضئيلة عن الرؤية خلال النظرة الخاطفة، حفزت ومهدت إلى الافتتان بالقطرة مقابل البحر، والذرة مقابل الجبل، واللحظة مقابل العمر.

ساعد أيضا في تراكم الشراهة تجاه التفاصيل نظرة تحتج ضد من يفرطون في التركيز على الفروقات، وحالة السعار خلف المقارنات، وتكدس المتشابهات المستنسخة حد أنها متطابقة إلا في حال الاستعانة بمجهر وعدسة مكبرة.

وبالعودة إلى اكتشاف كيف تشكلت هذه الأزمة، فإني أتصور أنه في مرحلة ما من الحياة ظهرت موضة تحرض على أن جوهر الوجود يختزل في “التفاصيل الصغيرة”، ولم يكن القول السائد بأن الشيطان يكمن في التفاصيل مانعا عن الانغماس في مطاردتها والتدرب على ملاحظتها، والتشهير بكل الذين ينحازون إلى الكليات، في سبيل التباهي بمن يسكنون في الجزئيات.

التفاصيل الصغيرة على قيمتها وتأثيرها وضرورتها إلا أن ضررها خلق نمط تفكير يتعاطى مع الحياة من زاوية ضيقة وحادة، لذلك شاع الهوس باللحظة، والبحث عن نقطة الاختلاف، وتضخيم كل ما هو نادر، وسيطرة الخطوة على الرحلة، وفرض اعتبارات مبالغ فيها بالنقطة.

الباعث على الطمأنينة أن الحياة قادرة على المحافظة على قوانينها، وبمجرد تغيير النظرة فإن المعنى يعود إلى أساسه، فالنجمة في السماء، ولن تكون السماء داخل النجمة، والكلمة في القصيدة ولا تصهر القصيدة نفسها لتدخل في الكلمة، والمفتاح أداة عبور والباب حد فاصل بين عالمين.

الأمثلة عديدة ولا يمكن حصرها، ويكفي استعراض واحد منها للتنبه لبقيتها، المهم أن التفاصيل الصغيرة ستبقى دوما عناوين وإشارات، علامات وليست دلالات، رمزيات تشير إلى شيء ولا تجسده، مسافة قصيرة من الرحلة وشطرا من القصيدة.

وكما لو أننا عندما رغبنا في حماية التفاصيل الصغيرة فعلنا ذلك بالاستغناء عن الكتل الكبيرة، استجبنا للتضليل النابت نتيجة الربط بين الفهم واكتشاف ما بين السطور، وركضنا خلف فتنة البحث في كل ما يختبئ ولا يظهر، وصدقنا أن كل ما يطفو تافه وسطحي، وأصابنا عجز عن ملاحقة كل ما يشدنا، خاصة أن هناك دوما شيئا يستفز انتباهنا.

بالمجمل، وإن كانت التفاصيل الصغيرة عطرا، فإن الصورة الكاملة هي الوردة والألوان والحقل والريف.

وإن كانت البذرة هي البداية، فإن الشجرة هي الحياة والحكاية.

هامش4: احصاءات الاستماع لبودكاست أتوايق في الساوند كلاود حتى اليوم 26 سبتمبر 2021


أضف تعليق