• التواصل
    • نبذة

سيرة أخطاء متعمدة

  • أتوايق على نفسي والعالم: الجزء الثاني

    سبتمبر 26th, 2021

    هامش1: كنت أنوي نشر هذه التدوينة قبل ستة أشهر، ولكن تأخرت في الأمر ويعجبني ذلك.

    غلاف بودكاست أتوايق

    أودعت صوتي للسكون والانتظار ومزاحمة الضجيج، تركته في المدى يسافر بكلماتي ونبرة شعوري وارتباكي، حررته من الوجهة ليضيع ويهتدي، أردفته بالأفكار وما من غاية غير محاولة المساعدة، لأني عرفت أننا نسند ذواتنا كلما وهبنا جزء من دروبنا وحظوظنا للآخرين معنا، الآخرون جميعهم الذين لا نعرفهم ولكننا شبيهين بهم، الذين ربما نفكر في الاحتمالات نفسها ونرغب في العثور على خطة، وحتى وإن كانت الخطط مجرد مساحة للافتراض والتنازل، أو الاستعداد وإثارة الفضول، إنما لقد عولت على صوتي لأني طالما راهنت على كلماتي، وبعدها لم يعد مهمًا ماذا سيحدث لأن كل ما تمنيته جربته وتذوقته في ١٣ تدوينة صوتية، وتوايقت.

    عزلتي خلاصي وملاذي، فيها أعيش وأتأمل، منها أرتب حضوري ومبررات انكماشي، وإليها أعود قبل أن يجف ماء صمتي. وكتبت كيف حدث وتوايقت، ماذا أبصرت في رحلة بحثي عما يشغل تفكيري، وتركت قلبي خارج الحسابات لأني أحب الانغماس في تعقيدات العقل دون مساعدة من العواطف، ولأنه بطبيعة الحال من الضروري الاعتقاد أن الفكرة قصيدة قابلة للمشاركة، لكن الإحساس أغنية شخصية وحالة فردية، أن الفكرة مفتاح ولكل واحد فينا باب وفرصة يستحق أن يملك حرية اقتناصها. لقد مهدت البداية ولا تخصني تكملة الحكاية.

    أنجزت “أتوايق”، كتبت وطبعت صوتي على كلماتي، المسافة ليست بعيدة لأني الشخص الذي قرر أن يقترب صوته من حروفه، ولأني أرفض التباعد بيني وبيني. ثم سجلت ١٣ تدوينة صوتية، نشرتها في ١١-١١-٢٠٢٠ دون أن أتعمد التوقيت ولكنه تهيأ ليكون إطار لحظتي وتجربتي.

    مفتاح الوقت

    علاقتي بالوقت.. رمزية المتاهة

    ولأن الوقت بالنسبة لي وحسب اللوحة المرفقة أعلاه والتي رسمتها لتجسد تمامًا كيف أتعامل مع اللحظة، ورسالتها لي بأن أضمن دائمًا وجود ثغرة أدخل منها إلى اللحظة أو أخرج منها عن اللحظة. وبما أن هذه التدوينات تخصني قبل غيري، فإن الشيء الذي وعدت نفسي بالحصول عليه وامتلاكه مكافأة لكل ما فعلته في “أتوايق”، كان شراء ساعة. أضعها طوق نجاة للمواعيد التي كانت تبتز تنبهي، وبشكل ما فكرت بالطريقة التي يمكن فيها امتلاك الوقت بمجرد الحصول على ساعة، بمجرد القول: شراء ساعة. ودفعت ثمن الوقت الذي سأحصل عليه، من الوقت الذي انشغلت فيه على بودكاست أتوايق. وبالتخاطر وحده حصلت على ساعة آبل هدية من أختي وصديقتي وحبيبتي “عزيزة”، وطوال عمري الذي أحسبه بالسير في ظل وسكينة أختي “عزيزة” لم نرتب لحضورنا معًا مثل قلبين في صدر واحد، ولكن تكفلت المصادفات بذلك.

    أردت أن “أتوايق” على نفسي، أنظر إليّ كيف أنظر إليّ، أراقب العالم من مسافة ثابتة تسمح بأن أفترض ما يمكن حدوثه قبل حدوثه، أتوقع ما أحب أن أجرب ملمسه وتأثيره ونتيجته، أتصور الدوافع والأسباب وكيف تتشكل البدايات وتتحول إلى يقين، أكون الشيء الذي وددت أن أجرب كيف سيبدو مشوار حياتي إذا ما تغيرت وصرته، وعرفت وأحببت الأمر ووثقته، ولن أتوقف عن التجريب على نفسي وحياتي، ولن أتوقف عن الاستجابة لكل فرصة يمكن من خلالها اكتشاف شغف جديد لخطوة قادمة.

    هامش2: النظرة الخاطفة إلى الوقت هي مشهد مصغر من فعل الموايقة.

    والآن، سأنشر حلقات “أتوايق” مكتوبة مثلما كانت في بداية تخلقها، ورابط الاستماع كما حدث وطبعت صوتي على كلماتي، شكرًا مقدمًا ودومًا.

    هامش3: وصف البودكاست: سلسلة من الأفكار والرؤى عن الحياة والعقل، تعبر بدقة عن معنى فعل “أتوايق”، وهو موقف أكثر شجاعة من التلصص وأقل هدرا من الجمود في المكان نفسه. يكتبها ويقدمها: محمد حامد.

    خلفية بودكاست أتوايق

    1

    حارس مرمى الخسارة “روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: حارس مرمى الخسارة

    هنا سأقول تمهيدا طويلا، لأن الفكرة تستحق أن تصل تدريجيا مثلما تشكلت عندي، تدريجيا. بداية، فإنه قبل أي مباراة كرة قدم يكون المجال متاحا للتخمينات، تصور عدد هائل من السيناريوهات، تخيل مجموعة من التوقعات وانتظار تحققها. وتبدو هذه الكواليس لعبة خارج اللعبة. ولكن ومع صافرة انطلاق المباراة تبدأ رحلة من التوجس والانتظار، الترقب ومراقبة الوقت، الأمل واليأس. وبعد تسعين دقيقة تنتهي المباراة، وتتلخص الحكاية في كلمة واحدة: النتيجة. تعادل مثلا أو فوز أحد الفريقين.

    الأمر كأنما هو تجسيد للتكتيك وكيفية التنفيذ والمعالجة النهائية، الفكرة بالنسبة لي من كل هذا التمهيد ترتكز في تفسير مفهوم الأهداف، كم من الفرص الضائعة والمحاولات والاقتراب من الشباك، ويبقى المهم عدد الكرات التي تجاوزت خط المرمى. الفريق وليس المهاجم فقط يواصلون طيلة المباراة صناعة الفرص، ابتكار المحاولات إلى أن يتحقق الهدف، وهكذا في كل مباراة أيضا.

    الفريق، وتحديدا في حالة الهجوم يسعى إلى غاية واحدة هي تحقيق هدف، وكل المدارس الكروية وأساليب المراوغة والحيل الفنية والأفكار تصب في مفهوم بسيط، وهو: الوصول إلى باب الخصم.

    من كل هذا أريد القول إن السعي إلى الهدف جزء أساسي وبأهمية تحقيق الهدف، وإن الأهداف الضائعة هي محاولات ناجحة غير مكتملة، وبحسب اللعبة فإن العرقلة والتعثر جزء من طبيعة التجربة، والنقطة الأهم أن هدفا واحدا يكفي عن عشرات الأهداف.

    في الحياة، عندما فكرت في الأهداف التي نفرضها على أنفسنا وجدت أننا نختار الطريقة المستحيلة، أهداف كثيرة نسعى لتحقيقها كاملة، لا نتسامح مع كل محاولاتنا ونصفعها بالفشل، لا نتغاضى عن أي عثرة، ونعد ذلك خسارة، لا نحسب النقاط على ما تحقق، إنما نسجل كل ما فسد وتلاشى.

    عند وضع الأهداف يجب أن نقلص عددها، أن نعرف تماما أنه ليس ممكنا تحققها جميعها، وأنه يكفي تحقق بعضها، وبصراحة وصرامة يكفي في كل مرحلة تحقق هدف واحد فقط، لأن الجانب المظلم للأهداف أنها تسرق بساطة التجريب، سلاسة التنقل ومرونة التوقف لصناعة أهداف جديدة، وتعزز من قيمة أن تكون الهداف رقم واحد في لعبة ليس فيها منافس.

    لكن المهم حقا معرفة أننا نخوض معاركنا مع عقبات قابلة للتخطي، نواجه ظروفا يمكن توظيفها واستغلالها لتكون في صفنا، ننطلق من نوايا نبيلة ونصل من خلال أساليب لا نخجل من التصريح بها، نملك سعة في الوقت وفريقنا كل الذين حاولوا وتعثروا ووصلوا.

    إننا نحقق الكثير بمجرد أن نستمر في اليقين بأننا سنصل ما دمنا نتحدى الإحباط، ولأنه ما يمنعنا من الإحساس بالخسارة ويهبنا معنى وجودنا، أننا كنا وما زلنا نؤمن بأنفسنا، نعول علينا ونحفزنا، وحينها لن يتوقف كل شيء عن مساعداتنا وإلهامنا. 

    مجددا: الأهداف الضائعة هي محاولات لم تنجح بالكامل، ولكنها التدريب الضروري والمثابرة الثمينة، السلوك الفطري لمقاومة الجمود والتوقف، العناد الصحي لهواجس المستحيل، الخبرات والطريقة الطبيعية للحصول على وصفة نجاح خاصة.

    الهدف رحلة تبدأ من لحظة التخلق في الذهن، تتوزع على الخطوات، تتوج بتحققه في النهاية، وبدون انتظار هبات مجانية تحت اسم الحظ، يكفي الاستعداد والتنبه للفرص، وأن يكون هدفنا نابعا من رغباتنا ويناسب قدراتنا ويغطي احتياجاتنا.

    وأخيرا: الحياة ليست مجموعة من الأهداف، إنها البصمة التي نريدها، القيمة من وجودنا، المعنى الذي نحب أن نعيش ونكبر وهو فينا ومعنا.

    ولاحظ: في لعبة الأهداف: حارس المرمى مهدد بالخسارة، المهاجم موعود بالنصر.

    2

    كم مرة يمكن لنا عيش أول مرة؟ روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: كم مرة يمكن لنا عيش أول مرة؟

    نتذكر أول مرة بشعور فريد لأنها ارتبطت بعنصر المفاجأة لحظة حدوثها، نعيش تجربة أول مرة من أي شيء بحماسة الاكتشاف وفتنة المجهول، ونحتفظ بأول مرة بشكل مقدس لأنها جديدة، ولأنها سكنت في مساحة فارغة من الذاكرة ومن رحلة تعلمنا وحياتنا.

    أول مرة هي كل مرة، هي اكتشافنا اللحظي والمفاجأة المتجددة.

    أول مرة هي الفجر وشروق الشمس وتفتح زهرة ومرجحة غصن، عبور النور من النافذة وتشكل الظلال على الجدار وركض الثواني داخل الساعة، منبه الاستيقاظ والصلاة والدعاء والخروج إلى العالم، الطريق والضحكة والانتظار والتوقف، الرجوع والمصادفات والمنتظر والمتوقع واليومي.

    أول مرة هي كل الأشياء التي تبدو مكررة، أيام تظهر وكأنها مستنسخة من بعضها، حالة “ديجافو” لا تتوقف عن الظهور، الأثر المتوقع والملاحظ للمرور والأصابع والصوت والاعتياد، المشاركة والعزلة والانغماس والشرود.

    أول مرة هي الخطة والخطوة والوصول، والاستمرار. أول مرة هي البداية، هي ما نتذكر أننا فعلناه مسبقا ونفعله الآن وسنفعله لاحقا. أول مرة هي التوصيف الدقيق والحقيقي لكل مرة، هي الحياة.

    ولكننا ننسى أننا ننسى بسرعة، لذلك نعتقد أن شعور البداية فات علينا أن نحس به مجددا مع كل ما سبق لنا تجربته، نبالغ في الثقة بأننا استوعبنا اللحظة بكل تفاصيلها وأبعادها وأسرارها وسحرها. مع أنه وإن كان هناك مرة أولى لكل شيء، فإنه بالتأكيد يتبقى شيء واحد على الأقل يحدث لأول مرة في كل مرة.

    ثاني مرة، عاشر مرة، المرة المليون لأي شيء هي مرة أولى، ولكننا في سبيل العثور على الألفة نفترض أسماء تمهد للشعور بالملل، نبتكر عناوين توصلنا إلى وهم الجمود، نعجز عن ممارسة لعبة الفوارق السبعة مثلا مع كل مرة، يعفينا من التنبه اعتناق مذهب التشابه، والهروب من اكتشاف الاختلافات، يمهد للتأجيل لأنه ما دام كل شيء مكررا فإن كل شيء قابل للتأخير، يراوغنا بخدعة أننا مشغولون بملاحظة أشياء أكثر قيمة وحديثة الصنع وطرية، وتفوتنا فرصة عيش جوهر الحياة.

    وحتى إن كانت هناك آخر مرة من أي شيء ستكون أول مرة، الانتقال من مرحلة دراسية أومن وظيفة أومن شقة مستأجرة، ومع شعور الغربة في الوداع الأخير، فإن أول مرة التي كنا نتجاهلها ستكون حاضرة بطريقة مضاعفة.

    بمعنى أن الاعتياد على شيء لا يعني أنه بهت بريقه، ولا نحتاج أن نكون في مواجهة المرة الأخيرة حتى نحس بقيمة المرة الأولى. وبدلا عن البحث عن شيء جديد لتجربته، يمكن لنا التنبه لشيء جديد فيما اعتدنا ممارسته.

    نظن أننا نعرف المطر، وإن كان أحد منا محظوظا في هذه اللحظة ويجلس مع الهطول، فإنه سيشعر بأنه يقدر على ملاحظة شيء جديد في البلل أو الرائحة أو المشهد أو الشعور.

    لأن أول مرة هي الأشكال العديدة وغير المحدودة في تموج البحر، في مرور النسمة، في الآن الملموسة والخاطفة.

    في اللمسة الناعمة للنور على الشرفة مثلا، اللون المختلف والمعنى المبتكر للضوء. أول مرة هبة الديمومة لكل شيء، المنظر الذي كلما بحثنا عنه في تشكل السحب وجدناه بصورة يمكن تبين حدودها.

    أول مرة هي بداية، وإن حافظنا على سحر البدايات، فإننا موعودون بالحيوية طيلة التجربة.

    وأولا، إننا نعيش هذه الحياة كمرة أولى، إننا هنا حتى نكتشف، من خدعنا بأن كل شيء مجرد إعادة؟

    3

    أنت تشوفك. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: أنت تشوفك.

    بداية فإنه منصف أن كل الذين لا نعجبهم لا يعجبوننا أصلا. أما بخصوص من نعجب بهم، فإنه لا توجد ضمانة على أن نحصل على النتيجة نفسها، ربما لا نعجبهم ومهما حاولنا لن نعجبهم، وهذا ليس عادلا لكنه طبيعي، لأنه من حق كل شيء وكل أحد أن يحصل على فرصة قبول أو رفض، أن يستجيب لاختيارات الآخرين.

    ولكن قبل أن نحصل على إعجاب غيرنا أو يحصل غيرنا على إعجابنا، وقبل الخوض في قبول ورفض من نختارهم أومن نصير ضمن خياراتهم، فإن إعجابنا بأنفسنا وقبولنا لنا ومحبتنا لذواتنا تسبق كل أحد.

    وعندما يكون الأمر بيننا وبيننا فإنه يبدو وكأننا نتحدث عن أعداء بينهم – في أفضل الأحوال – معاهدة سلام، أو كأننا نحاول وصف شخص صادفناه في لحظة خاطفة ولم نميز ملامحه بدقة، أو كأننا مرغمون على التعايش مع شخص لا نحبه ولكننا لا نملك غيره، أو كأننا نهرب منه إلى كل أحد حتى لا نكون معه.

    في الحقيقة، يبدو مؤذيا ملاحظة أننا نبحث في اختبارات تحليل الشخصية والأبراج وتصورات الناس لمساعدتنا في التعرف علينا، وننتظر أن يملك أحدهم القدرة على الغوص في أعماقنا ويتكفل بنقل صوة لنا عنا، ونحب الذين يملكون القدرة على خداعنا بأن يزوروا حقيقتنا، ويمتدحوا أشياء نعرف ويعرفون أنها ليست فينا، ولكن نقول: ما دام يرى ذلك غيرنا فإنه بالتأكيد موجود في داخلنا.

    لأننا وعلى الرغم من أننا نعيش معنا طيلة الوقت، إنما نسمح بأن نتنازل عن هذه العلاقة الطويلة، في مقابل أن يحكم علينا أي أحد بسبب موقف أو تقاطعات في أوقات محدودة، ونضع اعتبارات وأولوية للأفكار ووجهة نظر أي أحد بخصوصنا أكثر مما نتصوره فعليا عن أنفسنا، لدرجة أن نكون جيدين عندما يرى الآخرون أننا جيدون، ونكون سيئين عندما يرى الآخرون أننا سيئون، نتحرك على حسب توقعات خارجية وكأننا نتحاشى أن نخذلهم ولا يهم أن نخذل أنفسنا.

    ومع وجود فلاتر ومنصات ونوافذ وأدوات تساعد على التزييف، فإننا تدريجيا نصير شبيهين بما صنعناه ويحدده العالم، ولا نشبهنا.

    ولوقت طويل ساهمنا في تعطيل عيننا الداخلية التي نبصر بها حقيقتنا وجوهرنا، انجرفنا بقدر كبير من الكسل إلى التنبه لأنفسنا، وما توقفنا عن التصريح بصداقتنا لكل أحد وكراهيتنا لنا، حد أننا – وأقولها بمرارة – وصلنا إلى أننا لا نعجبنا ولا نرغب فينا، ثم يثير فينا الغرابة أنه لا أحد مستعد لأن يختارنا.

    ومثلما يحز في خاطر الواحد منا أن يرى في شخص أشياء جميلة لا يراها الشخص نفسه، أو يكون واضحا الجزء البغيض في أحدهم ويواصل نكران الأمر، فإننا نرتكب جريمة في حق أنفسنا مع وجودنا معنا بأن نستمر في معرفة كل أحد أكثر مما نعرفنا.

    أنا أجلس مع نفسي، أراجع تصرفاتي ومواقفي، أتأكد من صلابة مبادئي، أطالع في المرآة، أراقب من مسافة بعيدة كيف أبدو وكيف أتصرف، أعترف بالمزايا والعيوب فيني، نقاط قوتي وضعفي، لأنني لا أريد أن يكون أي أحد في العالم أقرب لنفسي مني، لا أسمح أن يعرفني غيري أكثر مما أعرفني.

    وأحب أن يحظى الجميع بفرصة تقديم ذواتهم، العيش في وهج حقيقتهم، أن يحصدوا ثمر فرادتهم بأن يكونوا أنفسهم، وقبل العالم أن يكونوا أول وأكثر شخص يعجب ويتباهى بهم.

    4

    شهوة الإنجاز وإدمان التملك. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: شهوة الإنجاز وإدمان التملك.

    خطر ببالي سؤال مستفز، وهو: هل نحن الأشياء التي نملكها؟ أم الأشياء التي ننجزها؟ لأنه إما أن تكون مشغولا بالحصول على شيء، أو أن تكون مشغولا بفعل شيء.

    في حال سيطرت عليك رغبة التملك فإنك تتورط بالجوع والأنانية، لأنك ستقاتل على أن يبقى كل شيء مخصصا لك وحدك، وستكون على الدوام تحت تهديد غواية شيء آخر يثير شهية التملك لديك ويفسد ما في يدك.

    لكن، إذا كنت من عشاق فعل شيء والإنجاز، فإنك غالبا ستواجه مشكلة وجود مهام عالقة، التعثر الطبيعي أثناء اختبار المسير، فقدان التلذذ بالرحلة والتعهد بالفرح إلى لحظة الكمال.

    التملك مرض بالطمع واحساس مختل بالفقر، احتياج يستحيل أن يصل إلى مرحلة الشبع، اجتياح على خيارات ليست ضرورية، احتجاج على الحظ والمتوفر، تعبير عن الخواء، وأن القيمة الذاتية تأتي من ممتلكات مادية ومحسوسات خارجية.

    الإنجاز لعنة مستعرة، هدر للطاقة خلف سراب أهمية تحقيق شيء كل لحظة، استغناء عن التأمل والتعلم وتركيب نتيجة فريدة، اعتراض خفي للصبر والتمهل في سبيل تحقيق الخلاص، وكأنما الأمر مجرد إنهاء مهمة وحسب وبأي طريقة.

    في منطقة ثالثة، يمكن المزج بين التملك والإنجاز بوصفة بسيطة تتعلق بأن كل فعل سبب، والحصول على الشيء هو النتيجة.

    الإنجاز دافع في حال كنت تفتقد إلى الرغبة، محفز في حال احتجت إلى مبرر، إشارة إذا أحببت أن تعثر على دليل، في الوقت نفسه يمكن استبدال الإنجاز بالتملك في هذه المعادلة، لذلك أنت حر في أن تعيد صياغة ما سبق ليكون: التملك دافع في حال كنت تفتقد إلى الرغبة، محفز في حال احتجت إلى مبرر، إشارة إذا أحببت أن تعثر على دليل.

    لأنه لا يمكن تصور التملك والإنجاز على هيئة خطين متوازيين، أو رغبتين متضادتين، بل هي شيء يؤدي إلى شيء، وبالترتيب الذي يناسبك: إنجاز يحقق التملك، أو تملك يحرض على الإنجاز.

    ولو أن الإنجاز مثل الوظيفة لكان التملك هو الراتب، ولو افترضنا أننا وضعنا مهمة لإنجازها والمكافأة ستكون الحصول على ساعة يد، فإنه طوال فترة العمل وفي كل ساعة ينمو ارتباط بين هذه اللحظة والهدية المنتظرة، وعند إتمام الأمر والحصول على الساعة، فإنها تمثل طريقة للتذكر وفرصة للتباهي، وفي كل مرة ينظر الشخص فيها إلى الوقت فإنه يتذكر لحظة كان يبحث فيها أو يكتب أو يتأمل أو يراجع أو يعيد كل شيء أو يرتب فكرة، في كل دقيقة ستصادف في ذاكرة كل شخص منا لحظة كنا فيها نمهد ونرتب لشيء، نتأهب لشيء، نستعيد شيئا.

    وبشكل أكثر وضوحا، في حال أن التملك هو الهدية، فإن الإنجاز هو التحضير للهدية واختيارها وتغليفها وتوصيلها. التملك وصول ومكافأة التعب، بينما الإنجاز هو الطريق والركض والخطوات والمثابرة، التملك ردة الفعل، في حين أن الإنجاز هو الفعل.

    وببساطة: أنجز ما تريد أن تمتلكه.

    5

    خلخلة المنطق. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: خلخلة المنطق.

    المنطق الذي أتحدث عنه هنا مختلف عن مفهوم أرسطو والنظريات العلمية، أنا أتحدث عن المنطق في حياتنا، وهو– بالمناسبة – من وجهة نظر متواضعة غير موجود، لأن ما نعيشه يفرض علينا التسليم بشيء أسميه “اختلال المنطق الشعوري”.

    ومع أنه طبيعي الاتفاق على حقائق واسعة، مثل: نهاية الليل ووصول الفجر وشروق الشمس، غيابها في نهاية اليوم وحلول الظلام، الاستيقاظ بعد النوم والشبع بعد الأكل والوصول بعد الركض.

    إنما وبالدخول إلى الأعماق فإننا أحيانا نشعر بأن الليل لم ينته في حال تعرضنا لموجة من الاعتلال في المزاج، أو أن نشعر بأننا نبحث منذ وقت بعيد ولم يحن موعد الاكتشاف، أو أننا نركض ولا نعرف كيف نعود أو متى نتوقف أو إلى أين نتجه، أو كيف أننا نفعل أشياء جيدة وتكون نتيجتها سيئة، أو أن النبتة الطيبة لا تثمر زهرة طيبة، أو أن ما فعله غيرنا لم يحقق النتائج نفسها عندما تجرأنا وفعلناه.

    القائمة لا تنتهي بخصوص “اختلال المنطق الشعوري”، ارتباك المفاهيم في تجاربنا الفردية، وهذا ما نبهني إلى أن الأرقام وحدها هي المنطقية، (واحد زائد واحد) يساوي اثنين، (واحد ضرب واحد) يساوي واحد.

    لكن في حال خرجت الأرقام من مفهومها المجرد ودخلت إلى واقع الحياة فإنها تتمرد على طبيعتها، لأننا نعرف أنه في مرات كنا مع آخرين ولكن لم نشعر أننا تجاوزنا وحدتنا، وأننا جربنا استخدام طريقة غيرنا في التعامل مع الناس ولكن لم نحصد ما يقترب ولو قليلا مما تعهدوا لنا بحدوثه، قدمنا مشورة أو حصلنا على مشورة بخصوص بعض المواقف وكانت النهاية محبطة.

    مشكلة المنطق أننا نتعامل معه مثل وصفات الطبخ، أو دليل التعليمات، ونغفل عن الجزء الخاص بنا، تأثيرنا في كل تجربة وتأثير كل تجربة علينا.

    ما أجزم بصحته أننا كائنات تستعصي على صلابة المنطق، مركبات مصنوعة من تموجات وعناصر تتداخل بنسب متفاوتة ومتغيرة ومتجددة، يتمازج فينا الشعور مع الأفكار والمواقف في اللحظة نفسها، نتذكر ونتوقع ونفترض ونتصرف، لدينا معطيات ونعرف عددا هائلا من النظريات، وبينما نعيش نكتشف وجود ثغرة يتسرب منها إحساس بالضياع، نكون في مواجهة حقيقة أن العالم الذي نتصوره ونظنه مختلفا عن الواقع الذي نعيشه، وأن المنطق مجرد إشارة ووقوف على مقربة من الحياة وليس دخولا إلى جوهرها.

    ولا يعني كل ما سبق عدم وجود منطق، أو التسويق للفوضى والعبثية والتمرد، إنما القصد من كل هذا أن المنطق لون واحد ولكنه متعدد الدرجات، مساحة واسعة الاحتمالات، اعتبارات متفاوتة في النسب من شخص إلى آخر.

    في المجمل، إن المنطق مثل عملة نقدية، وبوسع كل شخص منا أن يستثمر بالطريقة التي تناسبه.

    إن تأملنا غابة مليئة بالأشجار من النوع نفسه، سنلاحظ أنها تختلف في شكل الجذع أو الفروع، توزيع الأوراق أو انعكاس الظلال أو التمايل مع النسمة.

    إن المنطق بالأصل مثل بذرة، وتجاربنا الخاصة أشجار، ولكن لا توجد شجرة تشبه شجرة أخرى تماما.

    الخلاصة: أن لكل منا منطقه الخاص والمتغير، منطقته الواسعة، وهذا ما يساعدنا ويسمح للمرونة والاختلاف بأن يكونا جزءا أساسيا من طبيعتنا، وفي حياتنا.

    6

    الخيارات والاختيارات. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: الخيارات والاختيارات.

    الحياة برأيي مجموعة واسعة من الخيارات وقائمة محدودة من الاختيارات، الخيارات هي المسارات والفرص المتاحة، الموجودة دون جهد بشري، إنما ضمن هبات الله لكل المخلوقات.

    لكن الاختيارات هي طريقتنا في الانتقاء، هي ما نختاره ونقرر السير فيه ومن خلاله، هي تجاربنا الخاصة وقراراتنا الفردية.

    الخيارات بالأساس تأتي أولا، هي مساحة رحبة لنا وللآخرين، ظروف مواتية وبيئة صالحة للاستغلال والتوظيف بحسب رغباتنا. واختياراتنا ما نطلق عليها تسمية حظ لتكون قدرا صنعناه، ونمط حياة نذهب إليه ويصير شيئا منا.

    الخيارات لا تخضع للتفضيلات أو تنصيف جيد أو سيئ، إنها دروب مختلفة وعديدة وواسعة، ما يحدد المناسب لكل شخص هو الشخص نفسه، قدرات وإمكانات كل واحد منا، مجهزة لأن تنبهنا لاختيار ما يتوافق مع احتياجاتنا وأدواتنا.

    المربك أحيانا أننا نحاكم خيارات الحياة بقسوة، نلقي عليها اللوم وتهمة تقييد ركضنا ووصولنا، مع أنه في الحقيقة التي قد تضعنا في مواجهة صادمة مع أنفسنا أن العتب هو على اختياراتنا، نحن من نجهل في البداية ماذا نريد، ونحن من نرضخ لسلطة تحكم الآخرين ورغباتهم، نحن من نرهن ذواتنا في قوالب لا تشبهنا ولا ترضينا.

    أعرف أنه بالنسبة لي وقبل الآخرين، عشت أوقاتا كثيرة وأنا محاصر ومتورط مثل غيري بما افترضه وقرره العالم، وهذا جانب مرهق في ذاكرة الأغلبية من الناس، إنما لا أخجل من الإقرار بأنه طالما شعرت بأنه يمكن الخروج من أن تكون حياتي مفصلة على قياس ما يريده العالم، لتكون حياتي مفصلة على قياس ما أرغب فيه، التنازل عن إرضاء الناس مقابل إرضاء نفسي، لأنه – وهذا مؤكد – عندما نختار وننجح حتى لو بعد حين، سيكون كل من ظن وحكم علينا بالتمرد أول من يصفق لنا ويؤيد ما صرنا إليه.

    الحياة خيارات لا نحصل عليها بالتحايل أو بالتنازل، إنما نستحقها عندما نتجرأ على اختيارها وعيشها.

    ومقابل الانشغال والنقمة على اختياراتنا يمكن لنا التوقف، تأمل الخيارات التي فوتناها، القابلة لأن نستغلها، الموجودة وتنتظرنا، تنادينا منذ وقت طويل وتغازلنا، وربما بمجرد التنبه لها نلاحظ كم هي مثالية وتستحق وصف: هذا بالضبط ما كنا نبحث عنه، هذا ما سنذهب إليه.

    الإيمان بوفرة الخيارات يثير داخلنا الرغبة بالمحاولة والاستيقاظ، ينقلنا من خانة الإجابات المحبطة إلى الأسئلة المحفزة، من الاستسلام إلى ضرورة النضال، من حالة التوقف إلى حيوية التجريب، وأنه يمكن لنا تعديل المسار وطلب المساعدة.

    إننا نعيش ليس من أجل تأدية مهمة، إنما في سبيل اكتشاف مغزى، نعيش بيقين أن خياراتنا الجيدة منجم واختياراتنا ضربة المعول.

    ما أقوله هنا هوما أعتقده، ما أحاول الاستمرار في تجريبه، شيء مختلف عن الإيجابية الحالمة والخادعة، بعيد عن رفض التصالح مع الواقع أو التكيف، إنه ببساطة شعور بالرضا مع حاجة لتحقيق الأفضل.

    خياراتنا دائما أكثر من اختياراتنا، لا أضمن أنها أفضل ولكن أراهن على وجودها، ومهما نستهلك منها فإن هناك المزيد، ويمكن لكل أحد التأكد من ذلك، أو على الأقل القبول مبدئيا بأنه ممكن أن تكون فعلا: خياراتنا دائما أكثر من اختياراتنا.

    7

    متاهة التغيير. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: متاهة التغيير.

    قررت أنني لا أريد أن أتغير، وهكذا دون قصد تغيرت، لأني – مسبقا – لاحظت على نفسي والآخرين الذين صادفتهم أو صادفت تجاربهم، أنه مقابل كل نية تغيير هناك خطوط دفاع قوية وصلبة ومحبطة.

    وفي الواقع إن التغيير أمر فطري، نكبر ونتأثر ونتعلم ونتجدد، نخوض تجارب ونتحرك، نعيش مواقف ونتعرف على أصدقاء، نواجه تقلبات العالم وفوضى خروج الناس عن طبيعتهم، ننصهر ونقاوم ونتنازل، نهب أنفسنا تبريرات واستثناءات لكل سلوك يقع خارج سيطرتنا على ذواتنا.

    إننا نتغير إلى الحد الذي يجعلنا نبحث عن وسائل تساعدنا على الثبات، على التماسك والصلابة، أن يبقى لنا شكل يخصنا، ومزايا وعيوب تختصر على الآخرين ملاحظتنا والقرب منا، أو الحصول على أعذار للتفريط بنا، نلتزم بمعتقدات ومبادئ وأفكار نناضل ونعيش للدفاع عنها وتأكيد أهميتها، مواقف يؤذينا أن نتذكرها ونحن ما عدنا نؤمن بضرورة ما اخترناه حينها، وجهات نظر خضنا معارك طويلة للفوز بالموافقة على صحتها.

    أحيانا ما يمنعنا عن فعل أمر ما أو تنفيذ قرار هو التصريح به، شعور وهمي بأننا فعلناه، خطوة في الخيال لا تكلفنا أن نتحرك أو نبذل أي جهد، استطراد يهبنا لذة تحقيق المراد، لأن الكلام عندما يصير بديلا عن الفعل فإنه يفسد التجربة.

    وحتى لا ندخل في متاهة التغيير، ضبابية المجهول، فإن التغيير بالنسبة للحياة يشبه دائرة، وهكذا تصنع تجددها.

    لكن التغيير بالنسبة لنا هو أشبه بالمحطات، إننا نتغير ولن نتوقف عن التغير، إنما يمكن حدوث ذلك بطريقة واعية ومفهومة، أن نتناغم مع الحياة ونستغلها لمساعدتنا، لأنها تجري الرياح بما تشتهي السفن، البحارة جربوا ذلك واستفادوا من قوى الطبيعة، وحدهم الذين جلسوا على الشاطئ قالوا أشياء سيئة عن الرياح والرحلة، رغبوا في أن تنتهي مغامرتهم قبل أن تبدأ.

    أنت، أنا، نرغب في أن تستمر حكاية نبني فصولها ونؤثث لحظاتها، ونواصل في مغامرتنا لأنها حياتنا.

    لذلك إننا نتغير ما دمنا نعيش، نتغير لأن السكون سمة تخص الذين يميلون إلى الجلوس خارج فاعلية الزمن وحيوية التجدد.

    إننا نتغير ما دمنا نسمح للمرونة بأن تكون جزءا من تشكيل طبيعتنا، ولكننا سنفشل في إحداث التغيير إن كان الأمر مجرد رغبة عابرة، ونية خاطفة لا تتكئ على ضرورة صحية.

    نقطة أخيرة: كل الأشياء تمارس التغيير حتى لا تفسد، وإن كنت تظن أنك جيد بما يكفي، أرجوك لا ترتكب حماقة تشويه نفسك.

    وإن تغيرت لا تصر غيرك، لا تبتعد عنك، كن أنت بنسخة أفضل منك.

    8

    الخطة أو الروتين. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: الخطة أو الروتين.

    تستهويني فكرة وجود خطة، تحديد المعطيات وتوقع النتائج، توزيع الأهداف على مجموعة من الإجراءات المرتبة زمنيا، متابعة المراحل وتسجيل الملاحظات والتأكد من السير وفق الجدول المقرر سلفا، تحويل التصور النظري إلى واقع ملموس وعملي، والالتزام على المدى الطويل.

    وبالفعل، جربت ذلك أكثر من مرة، وكنت قريبا من أشخاص يعيشون وفق فكرة التخطيط ويحققون توافقا بين المأمول وما يحصل في النهاية، بنسب متفاوتة تصل أحيانا إلى درجة عالية من البراعة، يؤثر على ذلك وجود مرونة وبدائل في حال ظهرت تحديات أو نتائج خارج التوقعات الأولية، إنما وفي الحقيقة سبق أن رأيت من يخطط لتحقيق هدف ويبدأ التنفيذ ويصل إلى نتيجة مقاربة للتصور المبدئي.

    لكن بالنسبة لي، وبسبب طبيعتي التي تميل إلى تقدير عنصر المفاجأة، فإنني طالما واجهت مشكلة مع الخطط، وهذا لا يعني معارضتي للأسلوب أو التشكيك بفاعليته، إنما لأنه يمكن العثور على فلسفة ذاتية تتعلق بما جربته وأثبت نجاحه، وهو الروتين.

    طريقتي لتحقيق أي هدف تعتمد على ابتكار شكل لتفاصيل يومي، استغلال طاقة الاعتياد حتى تصير بعد وقت قصير من التمرين إيقاعا متناغما وطقسا مقدسا.

    الأمر يشبه حالة تستحوذ على انتباهي منذ وقت طويل، إنه التأثير المتتابع لانهمار قطرة ماء من صنبور فوق صخرة، إلى أن يظهر انحناء صغير، بما يصنع مفارقة في ميزان القوة بين الصلب والسائل.

    وليس من أجل التباهي، إنما للإثبات فإنه خلال تجاربي مثلا في الكتابة وما انعكست عليه من إصدارات أو تدوينات أو مقالات أو نصوص أو مشاريع، فإنه ساعدني تحويل الكتابة من هواية في وقت الفراغ إلى ممارسة يومية.

    إجمالا، ساعدني الروتين على الاستفادة من أوقات كان يمكن أن تهدر، لولا أن شكلا يوميا فرض النمط الذي حرضني، وما زال يحرضني على تأدية مهام خاصة.

    الروتين خطة طويلة المدى، استراتيجية فعالة لتحقيق شيء ما، أو الحصول على اكتشافات لم تكن متخيلة أو منتظرة.

    الروتين يكتسب حيويته من أربعة عناصر: الاعتياد والألفة، استجابة المحيطين بنا وتقديرهم لوقتنا الخاص، تقليل فرص الانغماس في خطط الآخرين، الشعور بالاكتفاء والتلذذ بتجريب الخروج المؤقت للعالم من حين إلى آخر.

    المهم في الروتين أن يظل محميا بأدوات التجديد داخله، أن يكون طبيعيا الإحساس بالملل أحيانا ولكن التأكد أنه عابر، وبداية بالضرورة اعتماد وجود مكان وتوقيت، والسماح لبقية الأشياء والعمل والمسؤوليات الأخرى أن تتحكم في بقية اليوم.

    تقريبا، إن عشرين في المئة من الروتين الخاص، تصنع الثمانين في المئة من مساحة التواجد في أماكن أخرى، وبذلك يتحقق توازن وحضور مثمر لنا ولغيرنا، في حياتنا وحياتهم.

    الخطة منهج وآلية، الروتين سلوك واعتياد، وأنا أختار الروتين، لأني أحب مفاجأة نفسي بتحقيق شيء، بينما أعيش حياتي الطبيعية والبسيطة.

    وهذه طريقتي الخصبة، وما أعده شخصيتي ومساحتي الخاصة.

    9

    وحشية المزاج. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: وحشية المزاج.

    حالات المادة الثلاث في الفيزياء الأكثر شهرة وانتشارا هي: الصلبة والسائلة والغازية، لكن بخصوص الشعور فإنه يمكن أن تكون الحالة المزاجية في يومنا الحالي هي الحالة الهلامية، خليط مركب من الإحساس والأفكار والتأثر، عملية معقدة من المزج والتمويه.

    وأظن أنه لا شيء خضع لعمليات النفخ والتضخيم أكثر من الحالة المزاجية، لدرجة أنه يمكن ظهور اختراع يخص تكميم المزاج.

    ومشكلتي الشخصية مع المزاج هي في انتقاله من أن يكون ردة فعل ونتيجة لما نحسه ونشعر به ونتصوره وننغمس داخله، إلى أن يصير هو الدافع والمتحكم في تصرفاتنا، حيويتنا ومدى تفاعلنا أو انكماشنا على ذواتنا.

    بالنسبة لي، وبسبب اهتمامي بوضع شكل ومعنى للمفاهيم، فإني أرى المزاج موقفا غير واع باتجاه مؤشر غير واضح، وهوما يظهر في اندفاعنا وحماستنا للحياة والعالم عندما نظن أننا في حالة مزاجية جيدة وإيجابية، في حين يفرض علينا ارتدادا إلى أنفسنا وهروبا إلى أعماقنا في الحالة المزاجية السيئة والمتشائمة.

    المزاج حينما فكرت في تحليله وجدت أنه تحول من حالة شعورية مؤقتة إلى سلوك ضمن سمات الشخصية، واعتقد أن هذا التحول حدث بناء على تأثير أربع نقاط:

    الأولى تتعلق بالربط بين المزاج والإبداع، بحيث صارت حالات التجلي والإلهام والفاعلية العالية والحيوية، مرهونة بقالب المزاج.

    والنقطة الثانية تمثلت في الاستجابة المكثفة للتغذية السامة، بواسطة الأغاني الكئيبة والهواجس والقلق المفرط، والدراما وموجات الاضطراب اللحظي.

    النقطة الثالثة ظهرت بسبب التساهل في تبرير الانفعال والغضب والاستفزاز والملل، بالوقوع تحت وحشية المزاج الداكن.

    أما النقطة الأخيرة فأظنها تشكلت من خلال تفسير كثير من المواقف الخارجة نسبيا عن المألوف، على أنها دلالة على أن الشخص مزاجي، وهوما نشأ عنه مجتمع المزاجيين.

    الأمر تقريبا يشبه تبسيط نزع الألوان عن الكلمة والشعور، في حال كان التعبير عن المزاج، خروجا بالمعنى من إطاره الضيق والمحدود إلى مساحة تطغى على كل شعور، لأنه يصعب التعامل مع شيء دون أن نفهمه، ويستحيل بوجود قائمة طويلة من التصنيفات والنظريات للانفعالات العاطفية المحددة والواضحة، أن يتم تجاهلها جميعها والإقرار بسطوة المفهوم العائم: المزاج، الذي صار يعبر عن أي شيء، وكأنه كل شيء.

    المزاج إضافة إلى أنه موقف غير واع باتجاه مؤشر غير واضح، هو أيضا تعبير مراوغ لكل ما نشعر به لحظيا ولا نرغب في السيطرة عليه، تجسيد حقيقي للاستجابة المبالغ فيها، استحواذ من مجهول.

    ولذلك، وإلى أن يصل العالم إلى تحديد معنى المزاج وكيفية حدوثه والتعاطي معه، فإني أقترح التوقف عن استخدامه للتعبير عن الحال، أورهن حياتنا لسلطته، مقابل السماح للعواطف بأن تتخذ اسمها ومساحتها الطبيعية وتأثيرها المصنوعة لأجله.

    وأن نصف شعورنا بدقة ووضوح، حتى يسهل علينا التعامل معنا، ويصير بوسع الآخرين مساعدتنا أو التوقف عن التورط في ضياعنا.

    10

    ضرورة التجاوز. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: ضرورة التجاوز.

    عندما فكرت بشكل مركز في مفردة التجاوز، وجدت أن أول ما يخطر ببالي مشهد للطريق ومسارات عديدة ووميض إشارة، وبعدها بلحظات يكون التخطي، ذلك في حال لم تعترض طريقي مركبة، ولم أصادف وقت الذروة والازدحام.

    لكن في واقع الأمر فإن التجاوز يتعدى بمراحل هذا المفهوم السلس، لأنه بطبيعة الحياة مواجهة أزمة أن نكون عالقين في لحظة ما، ما قبلها طفيف وعابر، وما بعدها بطيء وخانق.

    ومع أنه بدهي أن تختلف ظروف التورط بين الناس، البعض يكون عالقا بسبب شخص أو موقف أو تجربة أو عشم أو ذكرى، لكننا نتفق جميعا في رغبة التجاوز، الخروج عن سيطرة شيء ما يتردد صداه في أعماقنا، لحظة تتكرر طيلة الوقت، وكما لو أن أقدامنا مغروسة في وحل، خطواتنا تتعرض لقوة مضاعفة من الجاذبية، أطرافنا لزجة، أجسادنا مثقلة بأحمال تتجاوز الكيان المادي، إننا نبدو مثل ورطة صورة داخل إطار، مقيدة في لحظة من الجمود.

    في الحقيقة، ومهما يكن شكل تورطنا، فإنه بالمجمل غالبا، هو نتيجة شيء من الماضي، ولأننا لا نملك القدرة على العودة بالزمن، ولا يمكن الرجوع وتغيير ما حدث مسبقا، فإننا ومع شعورنا بالعجز إلا أننا بحاجة الاستسلام، الاعتراف بأنه ليس بوسعنا إنقاذ أنفسنا مما تلاشت قدرتنا على التحكم فيه، إنما ما زالت لدينا الفرصة في إنقاذ أنفسنا في هذه اللحظة وما بعدها.

    وعلى الرغم من الحذر والتنبه والجهد في تحاشي التورط، إلا أنه سيحدث حتما، لأننا ما دمنا نعيش ونركض سنتعثر ونسقط في مصيدة التورط، فخ التقدير الخاطئ.

    التعلق بشيء جيد أو سيئ، هو التزام يتجاوز حدود القدرة على الحركة، وتد في طرفه حبل يرسم مجال خطواتنا، سجن داخل عقولنا نفرضه علينا ونعاقب أنفسنا بسببه.

    السر والسحر، أنه يمكن لنا الحصول على منحة التجاوز من خلال الاعتراف بداية بأننا عالقون، وأن الورطة مدسوسة في عقولنا فحسب، بمعنى أننا عالقون ولكن ذهنيا.

    وفي الوقت نفسه إدراك أننا نتعلم من كل ما نعيشه، الاستمرار والمواصلة، ومن الغضب أو السخط نأخذ وقود فحم قطار رحلة العمر، وتخيل أننا تجاوزنا ما كنا متورطين فيه، افتراض العبور، لأنه في مرات كثيرة يساعدنا أن نتحايل على أنفسنا، ونتخطى وهم الجمود بوهم التحرر.

    التجاوز قرار متجدد بالتوقف عن النظر إلى الخلف، عن العيش في الأمس، والتفرغ لهذه اللحظة، للأيام القادمة، للحظوظ، للخيارات، للأشياء التي تنزعنا ببطء عن شيء فاتنا تغييره، إلى ما يمكننا السيطرة عليه.

    وهكذا ننسى ما نفكر فيه طيلة الوقت، ويكون ما نتذكره لبعض الوقت. فارق بسيط لحظيا، لكن تأثيره عميق وكبير تدريجيا.

    التجاوز ضرورة، صعب الحدوث ولكنه متاح، تخفف يساعدنا على الخروج من هناك والدخول إلى هنا.

    11

    التفكير داخل الصندوق. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: التفكير داخل الصندوق.

    كنت أشاهد مباراة كرة قدم عندما خطر في ذهني أنه في المستطيل الأخضر تبدأ وتستعر وتتحقق نشوة الوصول والمنافسة، وكل شيء بعد خط التماس، سواء المدرب أو الجهاز الفني والإداري والجمهور عندما كان يحضر إلى الملعب، أو مثلما يفعل الآن ويتابع من الشاشات الفضية، فإنهم جميعا خارج التأثير المباشر.

    ولأني مفتون بالمقاربات، تنبهت إلى هوس خاص بفلسفة “التفكير خارج الصندوق”، نمط استحوذ على استراتيجيتي في الحصول على معنى، ولاحظت كيف صار شائعا ورديفا للانفتاح والرحابة النداء باعتناق الخروج عن القالب، تخطي الحدود والتمرد على القواعد، ومع أنه في حرم الإبداع يمكن قبول فكرة القفز فوق حواجز المتوقع وأبعد من الاستسلام لمفهوم المستحيل.

    إنما وبالمقابل، العودة إلى داخل الصندوق، الركض في المساحة الضيقة لا يبدو بالبشاعة التي كنت أتحاشى اليقين بفاعليتها.

    إنه أسلوب لا يقل جدية وأهمية عن مذهب الخارجين عن الصناديق، لكنه يمتاز بمستوى أعلى من المنافسة والتحدي، حركة منضبطة وتستند على اليقين بوجود درب مواز للخلاص من مآزق الحيرة، في استثمار ما يتوفر في حيز دائرتنا من أدوات.

    ولأنه مثلما يثير الدهشة منظر عداء يقطع المسافات ويصنع المدى، وكما أنه ملهم مراقبة تحليق العصافير ورفرفة الأغصان ورحابة السماء، إلا أنه في الوقت نفسه تتجسد فتنة وبراعة في التناغم الناتج عن تفاعل عنصرين في مركب كيميائي، دوران الرحى وتكتكة الساعة والسير في الغرفة لاستسقاء قصيدة.

    داخل الصندوق وفي المسافة الخانقة تشكلت الأبواب والنوافذ وتخلقت حيوات عديدة، استجابة لسلطة الإطار وتعليمات التقييد بالمساحة، تحققت معجزات من اللوحات الفنية والأعمال الأدبية والألحان والمفاهيم الأصيلة.

    اليوم، ومع الميل إلى أن الخروج عن الصندوق هو النجاة، أظنه ضروريا الإشارة إلى أن الرجوع والبقاء في ظل محدد الأبعاد لهما محاسنهما وانعكاساتهما المذهلة، وإذا ما كان التفكير والعثور على الحلول يشبهان الفوز بجائزة، فإنه يجب – واعتذر عن مفردة التسلط في كلمة يجب – إنما أفترض أهمية تحقيق توازن بين الخروج والعودة إلى الصناديق الخاصة بنا، إنه مثل تنشيط فصي الدماغ المنطقي والعاطفي، الواقعي والخيالي، وبذلك نعرف أنه بدلا عن السير في طريق واحد فإننا نحظى بمسارين.

    ولأنني هنا أحرض على الرجوع إلى داخل الصندوق بتناسب مع ما يحدث من الخروج، فإني أرجح كفة العودة باعتبار أن أغلب تجارب المعالجة الفنية المدهشة اقتبست من قوانين الألعاب، قوانين ومساحة ووقت كلها مشروطة، وكلما زاد التحدي كان الحصول على فكرة عبقرية لا يشبه الفوز بجائزة فحسب، بل امتلاك كنز.

    أختتم بمقولة يوهان كرويف عن الأسطورة البرازيلي روماريو: إنه اللاعب الذي يستطيع المراوغة في علبة كبريت.

    12

    خدعة الحياة البديلة. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: خدعة الحياة البديلة.

    هناك أزمة يمكن وصفها بالتنازل عن الحياة الحقيقية في سبيل العيش في الحياة البديلة، بحيث يتخيل الشخص في البداية أنه كان يمكن أن ينتسب إلى عائلة غير عائلته، ويواجه تجارب مختلفة عن كل ما يمر به فعليا، ويتنقل في محطات لا تشبه واقعه الملموس، ويتعرض لظروف يصعب أن تقترب مما يستيقظ كل يوم ويجد نفسه فيها، حد أنه يفترض تفاصيل وصداقات ومواقف لم تحدث، وإن حدثت لا يكون هو طرفا فيها ولا شاهدا ولا متلصصا حتى، ويستقر في مكان غير الذي كبر فيه ويتخيل فيه من داخله حياته البديلة البعيدة هناك.

    الحياة البديلة شكل حديث من الغربة الاختيارية، حكاية رومانسية فائقة الروعة بسبب أنها حالة وهم متخيلة، تعتمد على قدرة الشخص على تجاهل العوائق، وغض الطرف عن التحديات والانحياز للسلاسة الناعمة، ركض خلف لحظة حالمة يكون فيها الفرد متحكما ومسيطرا على مسار وقته وشكل أيامه، وبالتالي فإنه طبيعي الحصول في كل مرة على نشوة مفتعلة، تعزز من اليقين الكاذب بشيء كان يمكن حدوثه ليصير شيئا يحدث، لكن ذلك في الذهن فحسب.

    العالم الحديث رتب البيئة المحفزة للانخراط في عوالم افتراضية وشخصيات مزيفة، والتطبيقات المتطورة كل يوم تساهم بوحشية في اتساع مقارنة الشخص ظروفه مع ظروف الآخرين، وتدريجيا كلما تضاءلت الحواجز الحاجبة للتوغل إلى حميمة وأسرار الناس، زاد الفضول والنهم لاكتشاف المزيد، ونبتت عقد من رفض الشخص لواقعه وحياته وسخطه لأنه لا يحظى بالنصيب نفسه من الحظ.

    ومجددا، يتنامى الهوس بالحياة البديلة والتفريط بالحياة الحقيقة، وفي كل يقظة يلاحظ الشخص كيف أنه صار أغلب الوقت خارج واقعه، بعيدا عن التأثير على الشيء الوحيد الذي كان يتحتم عليه التنبه له، ضائع بين التمني والعجز عن القيام بخطوة تعيده إليه، وهكذا يتحول الناس من الاهتمام بمصيرهم إلى الاهتمام بمصير الآخرين، ولا يعود غريبا أن الأغلبية يعيشون حياة لا يرغبون بها.

    الجيد، والمبهج أنه يمكن لكل منا التوقف عن ملاحقة السراب وملاحظة الواقع، الرضا عن المكان الذي نحن فيه الآن، والعمل من عند هذه النقطة للوصول إلى الحياة التي نريدها، وبالتأكيد لن نحصل على كل شيء نريده، إنما سنعيش وحياتنا خالصة لتحقيق ما نصبو إليه، نوظف الوقت المهدر في مراقبتهم من أجل مراقبة خطواتنا، التفريط بالكسل والراحة الخادعة مقابل التلذذ بالتعب والمحاولة والتدريب على الوصول إلى بعض مما نرغب في تحقيقه.

    وإن كان متاحا لنا العثور على حياة بديلة، فإنه مؤكد أنها لن تكون بالتطفل على حياة غيرنا، ولا من خلال المقايضة بحياتنا، ولكن بواسطة توفير البدائل حتى يصير في حياتنا حيوات كثيرة.

    ومن المهم إدراك أن حياة نعيشها بكل حواسنا، هي أكثر قيمة من حياة بلاستيكية لا نلمسها ولا نضع بصمتنا فيها.

    13

    غواية التفاصيل الصغيرة. روابط الاستماع “ساوند كلاود، بودكاست آبل، بودكاست قوقل“

    أهلا، أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، وهذه محاولة وليست وجهة نظر ولا فكرة نهائية، إنها تصور في طور التجريب.

    هذه الحلقة بعنوان: غواية التفاصيل الصغيرة.

    حينما قررنا التنبه لكل شيء، الحذر من تفويت أي شيء، تورطنا بالتنازل عن الصورة الكاملة والنظرة الشمولية. وشيئا فشيئا ما عاد في ذاكرتنا غير أطراف حكايات وبقايا أيام، وصار ما يشغلنا محدود في معناه ومبتور في مداه.

    غواية التفاصيل الصغيرة جاذبة وسارقة، تأخذنا إلى دهاليز الربط والتتبع، تعلقنا بفكرة ناقصة ومساحة رمادية.

    وأظن أن جاذبية التراكيب الدقيقة والقطع الضئيلة عن الرؤية خلال النظرة الخاطفة، حفزت ومهدت إلى الافتتان بالقطرة مقابل البحر، والذرة مقابل الجبل، واللحظة مقابل العمر.

    ساعد أيضا في تراكم الشراهة تجاه التفاصيل نظرة تحتج ضد من يفرطون في التركيز على الفروقات، وحالة السعار خلف المقارنات، وتكدس المتشابهات المستنسخة حد أنها متطابقة إلا في حال الاستعانة بمجهر وعدسة مكبرة.

    وبالعودة إلى اكتشاف كيف تشكلت هذه الأزمة، فإني أتصور أنه في مرحلة ما من الحياة ظهرت موضة تحرض على أن جوهر الوجود يختزل في “التفاصيل الصغيرة”، ولم يكن القول السائد بأن الشيطان يكمن في التفاصيل مانعا عن الانغماس في مطاردتها والتدرب على ملاحظتها، والتشهير بكل الذين ينحازون إلى الكليات، في سبيل التباهي بمن يسكنون في الجزئيات.

    التفاصيل الصغيرة على قيمتها وتأثيرها وضرورتها إلا أن ضررها خلق نمط تفكير يتعاطى مع الحياة من زاوية ضيقة وحادة، لذلك شاع الهوس باللحظة، والبحث عن نقطة الاختلاف، وتضخيم كل ما هو نادر، وسيطرة الخطوة على الرحلة، وفرض اعتبارات مبالغ فيها بالنقطة.

    الباعث على الطمأنينة أن الحياة قادرة على المحافظة على قوانينها، وبمجرد تغيير النظرة فإن المعنى يعود إلى أساسه، فالنجمة في السماء، ولن تكون السماء داخل النجمة، والكلمة في القصيدة ولا تصهر القصيدة نفسها لتدخل في الكلمة، والمفتاح أداة عبور والباب حد فاصل بين عالمين.

    الأمثلة عديدة ولا يمكن حصرها، ويكفي استعراض واحد منها للتنبه لبقيتها، المهم أن التفاصيل الصغيرة ستبقى دوما عناوين وإشارات، علامات وليست دلالات، رمزيات تشير إلى شيء ولا تجسده، مسافة قصيرة من الرحلة وشطرا من القصيدة.

    وكما لو أننا عندما رغبنا في حماية التفاصيل الصغيرة فعلنا ذلك بالاستغناء عن الكتل الكبيرة، استجبنا للتضليل النابت نتيجة الربط بين الفهم واكتشاف ما بين السطور، وركضنا خلف فتنة البحث في كل ما يختبئ ولا يظهر، وصدقنا أن كل ما يطفو تافه وسطحي، وأصابنا عجز عن ملاحقة كل ما يشدنا، خاصة أن هناك دوما شيئا يستفز انتباهنا.

    بالمجمل، وإن كانت التفاصيل الصغيرة عطرا، فإن الصورة الكاملة هي الوردة والألوان والحقل والريف.

    وإن كانت البذرة هي البداية، فإن الشجرة هي الحياة والحكاية.

    هامش4: احصاءات الاستماع لبودكاست أتوايق في الساوند كلاود حتى اليوم 26 سبتمبر 2021

    • أتوايق على نفسي والعالم: الجزء الثاني
    • أتوايق على نفسي والعالم: الجزء الأول
    • ضوء فاته أن يجرب لذة الظل
    • النسخة الأولى والأخيرة
    • هواجس متطرفة شائعة
    • المحاولات من واحد إلى عشرة
    • الرابط صحيح لكنه لا يعمل
    • الوجهة البعيدة
    • بكلمة رقيقة حنجرة العالم ناعمة
    • كما لو أنه

  • أتوايق على نفسي والعالم: الجزء الأول

    نوفمبر 11th, 2020

    من داخل استوديو التسجيل في اليوم الأول

     

    في يوم الاثنين 22 يونيو 2020 وقبل أن يصل الفجر استيقظت، ومن داخل لحظة الخدر والنعاس سحبت هاتفي ولم أفتح الملاحظات مثلما يحدث عادة عندما تداهمني فكرة تنبهني وأوثقها، وأعود أتذكرها لاحقًا مثل حلم لست متأكدًا أنه حدث فعلًا، ولكنه كل مرة يكون حدث فعلًا. هذه المرة فتحت “التليقرام” واخترت الرسائل المحفوظة باعتبارها مستودع الذاكرة الخاص بي، وبدأت في التسجيل: أهلًا أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، ثم انهمرت في ثرثرة مدتها 11 دقيقة و48 ثانية، ضغطت على زر الإرسال وعدت للنوم.

    عندما استيقظت واستجمعت وعيي سمعت التسجيل، ابتسمت وشعرت بأن ضحكة يتمازج فيها الجنون مع الرغبة تسري في عروقي، الأمر يشبه أمنية بعيدة أراقبها عندما أتذكرها من مسافة التردد، أراها وأحسها قريبة بالطريقة التي أتسأل فيها لماذا تأخرت في تنفيذها طالما أنها ممكنة وتعني لي شيئًا، أعيشها لحظيًا وأجدها تستحق أن تصير واقعية أكثر، أقول فيها ما أشعر أنني بحاجته ولكن لم أتيقن مسبقًا من الكيفية التي يمكن اختيارها للتصريح به، أعيد فيها التفكير في كل ما ظننته محسومًا وبديهيًا بأن أفترض مصادفته مجددًا لأول مرة، أن أتأمل مطولًا ما يليق به نزع الجمود والصلابة عن قناعات تشكلت في غفلة من العمر والركض، أن أتوايق على عقلي ونناقش بهدوء ما يفكر به وكيف يصلني، أن أعيد ترتيب ما ظننته لكثرة ما اعتدته أنه مخلوق على هذه الهيئة، أن أبحث عن زاوية جديدة للنظر إلى الأشياء التي تتشكل بداخلي على صورة مفاهيم أصيلة.

    أتوايق، مفردة تعني النظر من مكان مرتفع أو من وراء الباب المردود، في اللهجة نستخدمها للتعبير عن النظرة المستكشفة الخاطفة، بالنسبة لي فإن مشهد الموايقة يستحوذ على انتباهي بوصفه حالة من التوجس والحذر والجراءة، وكثيرًا ما تخليت الربكة والتوقع التي يعيشها الشخص أثناء لحظة اطلالته، ولكن هذه المرة قررت أنني لن أتخيل وسأعيش التجربة. سأقف على مقربة مني ومن افتراضاتي، أسجل ملاحظاتي ببطء وتروي عن منبت الدوافع، أذهب إلى ما يحرضني على انتقاء ما أرغبه وما أتبناه، أفهم كيف أختار ما أفكر فيه لأني أعرف ما أفكر فيه وأجهل كيف انتقيته، أفسر ما يثير فيني الحماسة وما يحاول عرقلتي بحجة الملل، أنبش في أعماق ذاتي وعقلي عن الطريقة، أكتشف الكيفية والسببية لأني أريد أن أكون واعيًا بالإجابة على سؤالين: كيف يحدث ما يحدث؟ ولماذا يحدث ما يحدث؟

    في أتوايق حاولت فك شفرة العملية الذهنية، أن يصير بحوزتي والآخرين فرصة امتلاك مفاتيح أبواب تخص التفكير، لأنه العتبة الأولى للسلوك والاختيارات والإبداع والجنون. منحازًا لأن أقول ذلك بطريقة يجب أن تكون مدهشة، ويجب أن تكون محمية من الرتابة والجمود والتنظير، لذلك تأملت ودسست قلبي ومشاعري في كل فكرة، واخترت أن تكون الحلقات موزعة بين معنى المرة الأولى والأهداف، كيف ننظر إلى أنفسنا والفرق بين الإنجاز والتملك، تفتيت المنطق وملاحظة الخيارات والاختيارات، عن هوس التغيير والأكثر فاعلية بين الخطة والروتين، وحشية المزاج وضرورة التجاوز، مهارة التفكير داخل الصندوق وخدعة الحياة البديلة، وأخيرًا غواية التفاصيل الصغيرة.

    وتنبهت منذ البداية أنني عندما أتوايق على نفسي وعقلي فإني أتوايق على العالم، لأني أنا والعالم نتشابه في التركيب ونختلف بشكل بسيط في استخدامنا لقدراتنا وأدواتنا.

    كيف صنعت بودكاست أتوايق؟

    البحث أولًا: من جيد الحظ لا أعرف عوالم البودكاست، وأجهل الطريقة التي يمكن من خلالها بناء منتج ينسجم مع هذا القالب، وبدأت في البحث. ويمكن بسبب ضعف أدواتي في البحث لأني صرت أعرف أن العثور على الأشياء لا يكفيها الرغبة في الوصول إليها، إنما والأهم الكيفية التي نبحث ونحدد الطريق الذي سنصل من خلاله. في البحث نتوغل في كم هائل من المعلومات ومن هنا تتشكل رحلة الضياع والتشتت، صحيح أنه إيجابي أحيانًا أن نصادف أشياء لا نعرفها ولا نخطط لاكتشافها ولكننا نجدها، ولكن في مرات كثيرة فإننا نستغرق وقتًا طويلًا حتى نلمس طرف الخيط الذي يقودنا إلى ما نريده. وعلى هذا أعد البحث مهارة في غاية الأهمية، قابلة للتعلم وتوفر الوقت والجهد، تختصر الكثير من الخطوات.

    الضياع ثانيًا: المشكلة في غالبية المصادر التي نظن بمجرد اكتشافها أننا أمام منجم وكنز، أننا نلاحظ أنها تنحرف عن المقصود، تقدم لنا معلومات عن الشكل النهائي والمنصات ولا تساعدنا بمعرفة الطريقة، الأمر يشبه أن تبحث عن طريقة تحضير قالب كيك بمكونات محددة ولكن تجد كل شيء عن طريقة التزيين والفوائد ولا تجد الجوهر والأساس: طريقة التحضير. لذلك في لحظة ما شعرت بأن مشروع البودكاست مهدد بالفشل أو التأجيل، إنما وبفضل صوت داخلي يرفض التوقف، يعاند ويقاوم، قررت أن أبتكر طريقتي التي يمكن أنها معروفة وبسيطة ولكن عليّ أن أصل إليها بنفسي.

    الركض ثالثًا: عند بناء بودكاست أو ربما أي مشروع فإن أهم خطوة تكون وضع مخطط، رسم مخطط يعني وجود خريطة، رسم طريق يعني حتمًا وجود طريقة، ومن هذا المنطلق أفترض دومًا ضرورة أن تكون البداية بالمخطط والطريق. في بودكاست أتوايق وجدت أن الأولوية تتعلق بتحديد نقطتين: الموضوع والقالب. الموضوع باعتباره المحتوى والجوهر، القالب باعتباره الشكل والوعاء، الموضوع بوصفه المغزى والمعنى، والقالب بوصفه الإطار. بودكاست أتوايق موضوعه الذي رغبت أن يكون عليه يتلخص في تقديم أفكار تأملية عن مفاهيم أساسية طالما تعاملت معها من زاوية أحادية، وصار ممكنًا النظر إليها من زاوية جديدة، وجهة نظر غير معروفة بالنسبة لي ولكن بالغوص فيها وجدتها مثيرة وملهمة، تنبهني إلى نسبية كل الأشياء، وبشكل أدق أن هناك احتمال آخر يتطلب فقط التواجد هناك لرؤيته.

    الحماسة رابعًا: غالبية المشاريع العظيمة التي توقفت أو لم تظهر إلى النور لم تكن مشكلتها في أنها ليست جديرة كفاية أو أنها منقوصة الدهشة، ولكن بسبب أنها تبدأ بحماسة كبيرة وسرعان ما تخفت أثناء الخطوات وتبرد حتى التوقف. في بودكاست أتوايق ومثل ذلك في تجارب عملت وأعمل عليها، أدخر الحماسة للطريق، أوزع الجهد بين البحث والكتابة والمراجعة، فإذا مللت من البحث بدأت في الكتابة، وإذا تعبت من الكتابة ذهبت إلى اكتشاف التجارب والاستماع إليها، وإذا شعرت بالاكتفاء عدت لجوع الاكتشاف وفضول أنني مهما عرفت ما زلت أرغب في أن أعرف، وإذا تمهلت في البداية وتعجلت في النهاية عكست الطريقة وبدأت من النهاية رجوعًا إلى البداية. الأساس أن أتحايل وأراوغ أصوات الجدوى والبرود بدوافع التنقل وتغيير التكتيك.

    المثالية خامسًا: لا يوجد منتج مثالي من أول مرة، ولكن يوجد فكرة مثالية. لذلك أرفع سقف الانتقاء والاختيار في تحديد الفكرة لأنها يجب أن تكون الشرارة مدهشة وخارقة بالنسبة لي أولًا، المعالجة وتحويل الفكرة إلى منتج هي عملية تركيب وتجريب، هي رحلة من التعديلات والتقديم والتأخير والتغيير، لأنه يجب أن تظل هناك مساحة كل مرة لإضافة أو اختزال أو انحياز لمفردة أو جملة، وحتى بعد النهاية ستبقى هناك ملاحظات على المعالجة وليس على الفكرة. الأمر يعني أن بناء المنتج خاضع للتطوير، ولكن إذا تحققت معايير الجودة التي يختارها الشخص بينه وبين ما يعمل عليه فإن هوس المثالية يعتبر عائق ومضلل. دومًا مهما وصلنا إلى نتيجة علينا أن نحب أن تتقد فينا رغبة أن يكون أفضل، ونعمل مجددًا على منتج جديد.

    الغزارة سادسًا: إذا كان بوسعك أن تركض مسافة كيلو لماذا تركض مسافة 100 متر؟ وبالضبط إذا كنت تقدر على إنجاز عشرة منتجات لماذا تكتفي بمنتج واحد؟ وإذا كانت لياقتك ومرونتك تساعدك على كتابة عشر صفحات لماذا تعطل نفسك وتفسد قوتك بأن تكتب صفحة واحدة؟ على هذا الأساس والمبدأ واصلت تمرين ذاتي ووقتي وخطواتي، ولاحظت أنه عندما رغبت في تنفيذ مشروع بودكاست أتوايق فإنه يمكن لي نشر حلقة أولى والعمل على بقية الحلقات بتسلسل زمني لاحق، ولكن تجنبًا لمشكلة الحماسة أعلاه، وحماية من رهن نفسي للتفاعل وآراء الآخرين وحماستهم، والأهم لأني أجيد التركيز والانغماس في الحالة والفكرة، قررت أن أعمل على إنجاز المشروع كاملًا، وحددت 12 حلقة بمتوسط خمس دقائق، وبما يعني تقريبًا ومجازيًا ساعة كاملة مدتها خمس دقائق، وانتهيت إلى 14 حلقة احتفظت بواحدة منها ولم أنشرها وسأذكر السبب في النقطة التالية. الأهم أنه للمحافظة على وحدة الشكل فإن إنجاز المشروع كاملًا دفعة واحدة يروقني، يناسبني أن أبذر الحقل بالقمح في الوقت نفسه.

    العفوية سابعًا: في بداية التفكير في إنجاز بودكاست أتوايق كنت أميل للعفوية، أن أحدد العناوين وأثرثر مثلما يحدث بين صديقين. وبعد التجربة الأولى بيني وبين نفسي بدأت في تغيير فكرتي، وجربت كتابة محاور الحلقات لتكون التجربة مزيج من التفكير المسبق والارتجال، لكن في كل مرة وجدتني أنتبه لنقطة وأفوت نقطة ثانية، وأستطرد أحيانًا ويظهر معي أشياء جديدة يحتمل أن أنساها في حال اضطررت لإعادة التسجيل. في النهاية استقريت على قرار أن أكتب الحلقات كاملة، ولأنه مع اللمسة الحميمة في العفوية وفرصة التقارب والوصول، إلا أن خط الأفكار الذي أخترته في بودكاست أتوايق يفرض التنبه لكل كلمة ورسالة. مع ذلك لم أتنازل عن رغبتي في أن أسجل حلقة بشكل مختلف يعتمد على العفوية والارتجال، الحلقة التي ترددت كثيرًا في نشرها كان السبب في أنها تبدو مثل قصيدة بالمحكية واللهجة وسط ديوان بالفصيح، ويمكن أن تكون لاحقًا بداية مشروع منفصل، لأنه من الجيد أنه عندما نصل إلى النهاية ننتبه أننا وضعنا علامة نعود إليها ونبتدئ من عندها مشوارًا جديدًا، ولأنه لم ينته الوقت والفرص، وأخيرًا لا مانع من الاحتفاظ بشيء صغير لأنفسنا قبل أن يصير يخصنا ولكنه ليس معنا ولنا وحدنا.

    التركيز ثامنًا: خلال الركض والبناء والانغماس في العمل يصير ما يشبه فتح نوافذ كثيرة ومسارات عديدة، وفي لحظة ما يجب أن تكون متأخرة تأتي مرحلة تجميع الشتات ولملمة ما تناثر وما ابتعد وما طرأ. وهنا أراجع ما كنت نويته من البداية وإلى أين وصلت، أرتب الصورة بعد أن أكون ابتكرت التفاصيل، أفرط بكل ما يمكن أن أعبر عليه ولا يشدني، أتخيل وجود الآخر الذي يجب أيضًا أن يأتي متأخرًا، أجلس هناك معه وأنظر وأتأمل كل شيء من زاويته، ومثلما اكتملت الصورة عندي أعمل على أن تكتمل عنده تدريجيًا، لأنه أحيانًا ما يقلل من فاعلية ما نتشاركه مع غيرنا يتمثل في أننا نفترض أنه يكفيه أن يصل إلى ما وصلنا إليه، مع أنه من الجيد لنا معًا أن يعيش ما حفزنا ويرافقنا في رحلة بحثنا ويكون معنا عند وصولنا، وهكذا لا يلمس النهاية وإنما يعيش الحكاية.

    التسجيل تاسعًا: بعد أن أنجزت كتابة الحلقات الـ13 كاملة، لم أتعب في تحديد الاستوديو المناسب لتسجيل الصوت، وتوقعت أن ساعتين كافية لتسجيل الموسم كاملًا مع افتراض مسبق للحاجة لإعادة بعض المقاطع أو الكلمات، تدربت على النطق خلال يومين أو ثلاثة بشكل متقطع حتى شعرت أنني وصلت إلى مرحلة الإتقان. اتجهت يوم السبت 7 نوفمبر 2020 عند الثانية ظهرًا حيث ينتظرني المهندس يوسف إبراهيم، الشخص الجميل والبارع، مستعد ويحاصرني الارتباك، لا أعرف كيف سأقول كلماتي، حائر هل ستظهر كما أشعر بها في داخلي أو أنها ستبدو جامدة وكأنها لشخص آخر، متذكرًا رغبتي في تجربة أن أوثق كلماتي بصوتي، أن أقلص المسافة بين ما أكتبه وما أتحدث به. وسبق وسمعت كثيرًا كلماتي بصوت غيري، رأيت ولمست وتذوقت نصوصي في تقارير تلفزيونية وبرامج وعلى منابر احتفالات رسمية، وصلتني من أصدقاء ومن أشخاص لا أعرفهم ولكن عرفت كلماتي وحان الوقت لأن أكون أنا وما أجيده في المكان نفسه. عندما وصلت وسألني الصديق يوسف إبراهيم عن معاييري وتصوراتي، أخبرته ببساطة أنني أريد أن أكون أنا، أن أظهر على حقيقتي، أن يكون إحساسي وارتباكي حاضرين معي، أن أكون بعيدًا عن محاولة تمرير رسالة بأني بارع في الإلقاء وماهر في الثرثرة مع الميكرفون، أن أحقق درجة لا تقل عن خمسة من عشرة ولا تتجاوز السبعة في سلم الجودة. وعندما دخلت غرفة التسجيل المعزولة، وضعت السماعات على رأسي وتأهبت لأن أنصت لنفسي، بدأت في البحث عن النبرة التي أحب أن أسمعها. لم أكن متطلبًا مثلما هي عادتي وطبيعتي التي أحب أن استمر في المحافظة على وجودها فيني، ولكن اكتشفت أن آخر مرة قرأت بصوت مرتفع وجهوري كانت ربما قبل عشرين سنة في صفوف المدرسة أو على المسرح أو في الإذاعة المدرسية ومسابقات الخطابة. كنت أخوض تجربة تشبه ما يشعر به لاعب توقف عن اللعب منذ وقت طويل، وعاد للملاعب ليركض في مباراة اعتزاله. بعد ساعتين لاحظت أنني وبصعوبة أنجزت تسجيل سبع حلقات، لقد استغرقت ضعف الوقت الذي افترضته مسبقًا، ولكن قلت في نفسي: ضعف الوقت يبدو رقمًا قياسيًا لشخص يخوض التجربة أول مرة. وبالفعل كانت أول مرة بكل تفاصيلها وجوانبها. خرجت ومعي موعد للرجوع في الغد لإكمال بقية الحلقات، ولم أشعر بالرضا أو الخيبة، كل ما أحسست به يتلخص في أنه مر وقت طويل لم أستخدم فيه صوتي بشكل جيد، ونية معلقة إلى حين سماع التسجيلات وبعدها يكون القرار، قرار بأن أعيد التسجيل أو أن تحدث مفاجأة ويكون ما يصلني غير ما أتردد عن تمريره للعالم. في مساء اليوم نفسه سمعت أول حلقة، ابتسمت مثلما حدث يوم الاثنين قبل أكثر من أربعة شهور عندما رغبت بشكل جاد وعملي أن أنجز مشروع بودكاست أتوايق، أحببت عدم ظهور أي تحسينات، وأنه صوتي فعلًا الذي أعرفه ويعرفني. في صباح اليوم التالي “الأحد” وصلت مبكرًا ومتأهبًا للجولة الثانية من التسجيل، ساعتان حتى أنجزت الحلقات الـ6 المتبقية، وأخيرًا مع الحلقة المخصصة للعفوية والارتجال.

    الوصول عاشرًا: يومان وصار الموسم كاملًا وجاهزًا، لوحة الغلاف والخلفية مكتملة بطريقة مدهشة ومتوقعة من الرسامة المبدعة: سامية الروقي. الهوية الموسيقية جاهزة بمباركة الصديق ودليل العمر والموسيقى: سالم العمري. وبدأت حينها في العمل على رفع الحلقات في مختلف المنصات، في الساوند كلاود حصلت على مساعدة المذهلة: آواز، في منصة آبل بودكاست وقوقل بودكاست استغليت صديقي وحبيبي والقريب دومًا: محمد قينان. تحمست للظهور في العلن بمشورة الرفاق: ماجد عبدربه، أحمد الخضر، أنس عبدالرحيم، سارة باحليوة، عبدالرحمن الشمراني، علي بن مسفر، أحمد الشمراني. وكان معي مرشدًا ومعلمًا في ضبط النحو واللغة العبقري: جمال سلات. ومن دون تخطيط كان يوم الأربعاء 11 نوفمبر 2020 تاريخ مزاحمة صخب العالم بصوتي. في اليوم نفسه وضعت اللمسات الأخيرة على هذه التدوينة، ورأيت أنها ستكون الجزء الأول، في حين أن الجزء الثاني من التدوينة سيكون مخصصًا للنصوص المكتوبة وروابط الحلقات للاستماع. وقررت أن تبقى في المسودات مثل الكثير من التدوينات، ولكن هذه تحديدًا أظنها تستحق أربعة أشهر على الأقل من الانتظار حتى أكشف عنها، ومبرري ودافعي أن يحظى صوتي بفرصة أن يعيش تجربة الحضور بدون كلماتي.

     

    من داخل استوديو التسجيل في اليوم الثاني

     

    على هامش التجربة:

    1 البحث هو أول فكرة: لأن الفكرة هي الخطوة الأولى والمحفز الأكبر، أتوايق رحلة تأملية بأسلوب سردي، تناولت فيها الأفكار التي أظن قبل العالم أنني بحاجة توثيقها والإنصات إليها واليقين من وجودها وليس فقط افتراضها، اختبارها واكتشافها والعودة متى ما رغبت للجلوس في ظلالها.

    2 ابتكار الأسلوب: ما بين الخطوة الأولى والثانية هناك مسافة صغيرة لمعرفة كيف سيبدو الطريق والركض والقفز، وفي مرات لن نعثر على هبة التعليم المجاني من العالم، وبدلًا عن الانشغال بالمواصلة من حيث انتهى الآخرون يمكن لنا أن نصنع الطريق. والأهم أني علمت ودربت نفسي أنني إذا لم أجد الطريقة ابتكرتها، وعندما أبتكرها سأعمل على أن يعرفها العالم.

    3 الخطة: موضوع وقالب، إنها الخطوة الثانية في بناء أي منتج، مدة الحلقات وعددها، الموسيقى والمؤثرات الصوتية، البداية والقفلة في كل حلقة، ولاحظت أن الدقيقة الواحدة صوتيًا تتضمن 100 كلمة، لم أعرف هذه النقطة من أحد، لقد حسبتها بنفسي كلمة كلمة. بالمناسبة فإن التقنية وتطبيقات التسجيل الصوتي خيار ذكي لمن يجيد التعامل معها، أنا لم أكن جيدًا ولم أرغب في تعلمها بوجود بدائل.

    4 الاستمرار: العائق الذي يجب التنبه له يظهر من تحول الشغف إلى الوجه الآخر هو انطفاء الرغبة، الجدوى والفائدة ليست مؤجلة بالنسبة لي، إنها عذر اللحظة ومبرر الآن، لذلك يكفيني أن يكون ما أنشغل به هو ما أعده جائزتي. وحتى لو أن بودكاست أتوايق كلفني تقريبًا 3500 ريال، قيمة الأستوديو والموسيقى والرسم والتدقيق ومنصات النشر، ومع أنه يبدو مبلغًا مهدرًا إلا أنه بالنسبة لي استثمار في نفسي أولًا، وخدمة للعالم، لأني أحب أن أكون أحد الذين يحاولون تقديم المساعدة والجدارة باستحقاقها، أو الاستغناء والكفاية.

    5 لعنة التوقعات: ما تراه في ذهنك لن تجده أمام عينك، هذا تقريبًا يشرح الفرق بين تصوراتنا الذهنية وكيف تتجسد عندما نكتبها أو نرسمها أو نعبر عنها في أي قالب، لأننا نراها مكتملة في دواخلنا وعندما نحولها إلى ملموسة أمامنا تكون منقوصة. جزئيًا يفسر ما سبق شعورنا بأن المنتج النهائي أقل من سقف توقعاتنا وذائقتنا، إضافة إلى حساسيتنا العالية تجاه نقد وموقف الآخرين مما نتشاركه معهم. إننا عندما نرهن دروبنا لذائقة غيرنا فإننا وإن مشينا لن تكون خطوتنا، ولكن خطوة الآخرين بأقدامنا.

    6 فلسفة الوفرة: أكره البخل والبخلاء وأمقتهم في الحياة والتعاملات عمومًا، وفي الإبداع والابتكار مثل كل شيء آخر أقدر السخاء، وأميل لليقين بأن العطاء يجلب الحظ والرزق مثل بذرة وشجرة، ومقابل كل فكرة نحصد فكرتين وزيادة، مثل فلاح يحرث وهو يعرف ويؤمن أن المطر سيأتي، دومًا سيأتي الإلهام ما دمنا نحاول ونركض.

    7 لذة التنازل: التفريط بالفكرة العادية فكرة جيدة، استبدال الفكرة الجيدة بفكرة عظيمة اقتناص عبقري. في تجاربنا نلاحظ أحيانًا وجود خلل أو عيب أو فجوة، وحينها المفاضلة بين الأفكار والخيارات تصير ضرورة، الأهم أن التنازل لا يعني الحذف، إنه يعني إضافة شيء جديد إلى المستودع، ولاحقًا من أشياء كثيرة في المستودع يمكن لنا صناعة أشياء عظيمة. أنا أضمن أن المكان الذي ندس فيه ما نتردد في استخدامه هو حجر يحتاج بعض النحت ويكون بين يدينا تحفة.

    8 العودة للبداية: تجربة أي منتج هي دورة ودائرة، فكرة وأسلوب وخطة وحماسة وتوقعات ووفرة وتنازل، وعودة للبداية. نراجع خطواتنا ونلتقط ما فرطنا فيه، نزيح ما بالغنا في الاستطراد في توضيحه. إننا نعيد التجربة ونراجع رحلتنا ولكن على أثر مشوارنا الأول. نعود لأننا نحب أن نتذكر كيف من اللاشيء نبت شيء وأشياء، وكيف أننا من المجهول والتيه وصلنا إلى الدهشة. إننا نعود لأننا قبل الآخرين نتلذذ بما نفعله، نعيش وننشغل فيه ومعه.

    9 الانتقال إلى التجربة: على الدوام يوجد جزء يجيده الآخرين ولا نجيده، وعندما نصل إلى النقطة التي ينتهي فيها دورنا فإننا نمرر الفكرة والكرة إلى غيرنا، ونعترف في كل مرة أننا نحصل على مساعدة لأن في الحياة من يبرع في صناعة ما نحتاجه، وأن بالقرب منا من يساعدنا بالمشورة ويخبرنا ويهدينا إلى أكثر مما نظن أننا كنا سنعثر عليه. من يعول علينا وعلى حرفتنا وكلما وصلنا حرضنا وتحدانا على العلو، ونعلو.

    10 مكافأة الركض: ما نفعله سيكون مفاجأة على الدوام للآخرين، علينا أن نشعر أيضًا بالدهشة والمفاجأة، أن نحتفي بالشيء الذي وإن فعله غيرنا صفقنا وابتهجنا، وطالما أننا فعلناه فإننا نصفق ونبتهج ونزهو بذواتنا. وبالتأكيد فإن ما ننتظره لن يأتي من تلقاء نفسه، ولن يفعله أحد مثلما نخطط ونريد، لذلك سنصنع ما نرغب به.

    أخيرًا، هنا الجزء الأول من كواليس أتوايق، في الجزء الثاني سأنشر الحلقات متضمنة النصوص المكتوبة وروابط الاستماع، وأرجو أنني في كل ما أفعله أكون من الذين يمهدون الدرب للنور والحلم. وشكرًا.

    رابط بودكاست أتوايق على ساوند كلاود: هنا

  • ضوء فاته أن يجرب لذة الظل

    أكتوبر 20th, 2020

    استيقظت بعد أن أكملت الشمس مهمة صعود الجبل من الجهة الشرقية ورأيتها تجلس على القمة بعض الوقت تستريح في الظل، وعندها تحمست الشمس لأن تصعد إلى السماء وحينها تنبهت أنه يمكن لها المسير بدون وجود سلم صخري ولا أقدام ولا أجنحة، عرفت بالأمر لأني أراقب الوقت الحر خارج قيود الساعة. شعرت بالمشهد متيقن من حدوثه على الرغم أنني ما زلت في غرفتي المظلمة بالكامل، وسابقًا كنت أتحاشى النوم في الظلام ولكن كبرت وصار ضروريًا أن يكون بحوزتي عادات مختلفة، وبدأت أتحاشى النوم في النور. ولأني أعدّ الستارة حالة فنية في مسرحية تعاملت دومًا مع فكرة استخدامها أمام النافذة عبث يصل حد التجاوز، لأنه يصعب عندي تحديد هل أنا في طرف الجمهور والنافذة خشبة مسرح والشارع كواليس؟ أو أن الشارع جمهور والنافذة خشبة مسرح وأنا الكواليس؟ لم أقرر بعد ولكن النافذة في كل الظروف تبقى ثابتة بين الجمهور والكواليس وعليها تعيش الحكاية وحوار النور والظل، التلصص والانكشاف. وعوضًا عن الستارة وضعت على النافذة قصدير، اللمعة في النافذة بسبب القصدير تبث فيني استفزاز من نوع أنه مرآة ولكنه تعرض للعطب في واحدة من مراحل تخلقه، بعد فترة استبدلت القصدير بالتجليد الأسود، عملي وصامت ويوحي بلوحة مقتبسة من الليل. وفي الواقع يندرج هذا التفسير ضمن هوسي بتحويل ظروفي إلى مفاتيح عثوري على لمسة فنية، لأني أعرف أن الستارة خيار جيد ولكنها مكلفة ماليًا، خاصة عندما كان يستحيل التفكير بالحياة بطريقة مترفة.

    كانت الساعة في هاتفي السابعة والنصف تمامًا، تأكدت من الوقت قبل مطالعة الهاتف لأني أعرف بقلبي، فتحت عيني في الغرفة المظلمة ونظرت إلى اللمبة الصغيرة الحمراء الصادرة من جهاز التكييف، بهذه التجربة أطمئن على حاسة البصر. وقبل أن أفتح هاتفي وأدخل إلى الملاحظات وأؤدي مهمتي اليومية الصغيرة في أن أكتب ما أظنه شكل يومي، فكرت أنني منذ فترة أدمنت أن أكتب في بداية يومي ما أفترضه وأتخيله شكل يومي، وعندما أعود للنوم في وقت متأخر أكتب تدوينة أسجل فيها تفاصيل يومي، ولأني مؤخرًا جربت مشاركة تدويناتي المتخيلة والواقعية مع مجموعة محدودة من أصدقائي المقربين جدًا، وتوقفت عن المشاركة بعد أن صارت الفكرة تتسع والصفحات تكبر والتفاصيل تزدحم، بات ممكنًا أن تنتج هذه التجربة عملًا أدبيًا مع بعض الإضافات التي تشكلت بسبب المراجعة وكثافة خيارات الجنون المحتمل. وأقول عملًا أدبيًا على سبيل التحايل على أشياء كثيرة لا أعرف ما هي ولكن سأكتشفها فيما بعد، وأراوغ تحسبًا لحاجتي للمراوغة حماية من أن تصير خطواتي على كيف مخططاتي.

    بعد أن فكرت قليلًا في كل ما سبق ويظهر عندما كتبته وكأنما استغرق وقتًا طويلًا، خطرت بذهني رغبة عابرة أن أعيش لحظيًا خارج حياتي، بعيد عن الأشياء التي أحبها وأكرهها لأنه ضروري أن يحب الشخص أشياء ويكره أشياء، وأن تبادله أشياء الحب وتواجهه أشياء بالكراهية بدون وجود سبب ولكن تقديرًا للتوازن بين المتضادات، تمرين الزامي لتحقيق معادلة الطبيعة بين القبول والرفض. تخيلت لو أني فعليًا سأكون خارج حياتي منزوع عما أريده وما ينتظرني، في المنتصف بين ما أخطط له وما أهرب من الوقوع فيه، معفيٌّ من المساهمة بالأحكام والقرارات وتحديد الدرب والخطوة والوصول والتوقف، جالس وبيني وبين حياتي القديمة والحالية والمتوقعة مسافة، أراقب ببلادة نفسي ولا أتحمس لتقديم المساعدة، أرى مواقفي وانغماسي وشرودي والمصادفات وحيرتي وكأنها لا تخصني، أضحك لأنه في الحقيقة يستحيل أن أكون في هذه الوضعية وأكون جادًا في الوقت نفسه.

    أستريح مثلما تفعل الشمس عندما تصعد الجبل وتجلس في الظل وأنظر لحياتي، أتأمل الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم وأفكر أنه يمكن أنني لا أعرف حتى من ظننت وظنوا أننا نعرف بعضنا، أصافح وكم تبدو شاذة فكرة أن تمس يدي من أرفض أن يعبرون راحتي لأن مصيرهم الوقوع من بين أصابعي، لكنها يدي وليست قلبي وهكذا تفكر الشمس عندما تنشر نورها. أتقاطع بفضول لا يحدث في الواقع مع من نتعمد معًا أن يعيش الفراغ في المسافة بيننا، ولا يهم وجود معنى غير أنه حظ للفراغ. أفعل أشياء طالما فرضت على نفسي التمنع عن ارتكابها وليس لأن ضريبتها الخجل لاحقًا إنما لأنها لا تستهويني، ولأني أصلًا في الحقيقة وعندما أتخيل أيضًا أتمسك بالمبادئ نفسها وهذه طبيعتي. أنشغل بتفاصيل لا تخصني وتخص الآخرين وألاحظ لماذا أميل عادة لمقاومة أن أكون الآخرين، ولأن ذلك ببساطة يعني أن حياتهم مختلفة ولن تكون حياتي. أعتني بما يفوتني غالبًا تنبيهه إلى أنني أفكر به مثل أن أسند شجرة أو أسحب الماء إلى النبتة أو أبرح مكانًا للغبار القادم، لأنه لن يضرها لو أنني لم أساعدها لكن أحاول أن يكون لي الفضل، ودين مؤجل. أسمع تبريرات من أغلقت الدرب بيني وبينهم بإنصات من يبدو وكأنه سيغيّر موقفه، لأنه لا يروقني صدقًا أن أتعاطف مع من أعرف بأني وإن سمعتهم تعاملت معهم بدافع الشفقة، وساعدتهم في أن يكونوا سفلة ومساكين. أدون من هناك حياة تافهة يشعر فيها الشخص لأنه بداخلها أنها حياة بالغة الفتنة وباعثة على الحسد، وبينما أدون المح من بعيد الشخص الذي يستريح عند السابعة والنصف وخمس دقائق فوق الجبل ويصافح الشمس قبل أن تطير في السماء ويعود إلى الحقل ويسترد حياته.

    أنهض من السرير وبينما أكون واقفًا أمام النافذة التي بداخلها الليل، أكتب ما أفترضه وأتخيله شكل يومي في كلمات قليلة في الملاحظات، أضغط على زر التكييف وتنطفئ الشعلة الوحيدة في الغرفة، وأخرج بالظل إلى العمل.

    هناك بعيدًا، وعند نهاية المقطع الثالث شخص مستمر بالضحك لأنه يصعب أن أكون في أي وضعية ولا يكون أحد ما يضحك من تظاهري بالجدية.

  • النسخة الأولى والأخيرة

    سبتمبر 27th, 2020

    تبدو مبالغة في التخيل ولكني أرغب في أن يكون مني نسخة ثانية، ليس الأمر لأني أحب أن أكون موجودًا بوفرة وكثرة في الحياة إنما لأني بحاجة أن أسهر معي، نجلس هكذا معًا طوال الليل نتحدث في الأشياء التي طالما كنت أقولها بيني وبين نفسي وصار ضروريًا أن أسمعها من أحد يخصني، نتشارك الهواجس نفسها ويذكرني مجددًا بأسباب ما أخترته وما تنازلت عنه، يمسك بيدي في اللحظة التي أنوي فيها أن أقول لأحدهم تعال، يضع يده على فمي إذا فكرت أن أقول لأحدهم لا تذهب في إشارة إلى أنه عيب تأجيل المغادرة، يشد على قلبي عندما أحس بأني أحس بما يؤلمني استعادته، يساعدني في مواصلة الاعتماد على حدسي في حال شعرت بالحاجة لتجربة نصائح غيري، يعيدني إليّ في أوقات أسهو فيها عن التنبه لنفسي، يفهمني لأنه أحيانًا أكون جيدًا في فهم الآخرين للحد الذي أنسى فيه أنني خرجت من ذاتي، يظهر في الانعكاس لأني في مصادفات يصعب التصريح بها وقفت أمام المرآة ولم أرى وجهي، يلهمني في مرات كثيرة بضرورة التوقف عن تقديم رغبات كل أحد لدرجة أنها تتلاشى حاسة الرغبة فيني، يكتب لي لأني مهما قرأت فإنه ما من شيء يشبه ما يمسني مثل الذي أكتبه، يغني بينما ننزل الدرج لأنه يصير المشهد شاعريًا ونحن ننزلق على السلم الموسيقي بفوضوية تخدش الذائقة، يدفعني من على الحافة لأن المسافة ليست بعيدة كما ظننت أول مرة عرفت فيها الحافة، يتذكر لأني أركض بسرعة وأنسى والله أشياء كثيرة كان يجب أن أحفظها في مكان آخر غير خطواتي، يخبرني إذا أدرت ظهري أنه ما من شيء يفوتني ما دمت أدرت ظهري، ينبهني للتوقف إذا بدأت في الدخول إلى كوابيسي وظننته سيتكرر الأمر وأصنع حكاية ثانية تشبه رواية “المهاد”، يجلس مع الذين ومهما بقيت وكنت ما اكتفيت من الجوع لأن أستمر في الجلوس معهم طوال عمري، يأخذني من كل شيء ونجلس معًا مع الذين أحب وسأحب ولن أتوقف عن حب البقاء معهم والذين مهما بقيت ما شبعت منهم، يعلمني أنه لا مشكلة في أنه يسهل خداعي لأنه مؤذٍ أن أعيش وأنا أربي قرون استشعار الخطر مثل حشرة، يلاحق الأشياء التي أقولها ويدخل في معارك مع كل أحد يقولها ويضع علامة اقتباس أو يحورها أو ينسخها ولا ينسبها لي، يطالع الوقت نيابة عني لأني منغمس منذ وقت طويل في ساعة لا أظنها خاضعة لديناميكية الركض، يجبرني على الخروج من روتين الكتابة طيلة الوقت، يعيد المحاولة كل يوم حتى أخرج من روتين الكتابة طيلة الوقت لأن الحياة ربما ستكون هناك حيث لم أذهب مسبقًا، يوسوس لي بحماقات جديدة لأنه صار بعيد تذكر آخر حماقة ارتكبتها، يلتقط لي صور وأنا أضحك لأني لا أظهر بشكل جيد في الصور التي أعرف أنها تترصدني، يضحك معي لأن سخريتي إذا ما شرحتها تتحول من دعابة إلى “سالفة”، لا يعتذر لأني اعتذرت حتى عن الذين كان لزامًا عليهم أن يعتذروا قبل أن يستغلوا أنني أركض بسرعة وأنسى لأن ذاكرتي في خطواتي، يربط شعري لأنه صار طويلًا ولأني أعرف أن أتعامل مع بالي الطويل وحسب، يمسح المحادثات لأنه صار مهمًا أن يؤدي مهمة العناية بالتفاصيل الآخرين وما عادت مهمتي، يبحث عن المكان الذي قلت فيه أول مرة “تمرد قلبي عليّ” وما يتذكر العالم أنني فعلتها وضبطت قلبي مجددًا، يجبرني على شرب الماء لأن ارتواء شعوري لا يكفي حاجة جسدي، يوافقني إذا قررت الركض ويقول “لعنبوا دربن ما تمشيه”، يعارضني إذا مشيت ولا استرحت ويقول “لعنبوا دربن ما يقعد في حراك”، يحك ظهري لأن اللصوص وصديقي المجنون عبدالرحمن وحدهم من يملكون أيدي طويلة، يسافر معنا أنا وصديقي عبدالرحمن لأنه يفوز دائمًا بالغرفة الأفضل بحجة أنه أطول مني، يخبر من أخجل في مواجهتهم بأنهم يظنون أنهم يخدعون الآخرين بينما يخدعون أنفسهم، يصب بالنيابة عني لأني مهما كبرت ما زلت أوظف نفسي لتأدية المهام التي تذكرني أنني أحب أن أتكفل بخدمة الذين أحبهم، يحمل الأغراض معي لأني أختار دومًا فكرة الثقل على الذهاب والعودة أكثر من مرة وأبالغ في تأجيل طلب المساعدة، يذكر الذين أحبهم أنهم الذين أحبهم وإن تغيّر الأمر في قلوبهم، يصادفني في أماكن أشعر أحيانًا أنني أرى فيها وجه شخص مع يقيني أن المكان فارغ، يقف في طريق من يخطر بباله أنه قادر على تعطيل ركضي لأنه ما من أحد بوسعه أن يتسبب في تأخير وصولي إلا وحكم على نفسه بالهزيمة، يأتي في وقت أكون بحاجة أن أعيد على نفسي أني ما رغبت ولا مرة في أن أظهر طرف في معركة لكن إذا لزم الأمر ما تراجعت، يرافقني طيلة الوقت ما دمت قررت منذ البداية أن الخذلان لن يأتي من الجهة التي أحرسها وأكون فيها، يواجهني بأنه عظيمًا مواصلة التنازل عن الفوز على من أخجل في التفكير لو لحظة بأني تقاطعت معهم، ينبه الذين يتباهون بقدرتهم على الجرح أن الخدوش في أرواحهم ومحفوظة في ذاكرتهم وحدهم، أقاسمه ما ظننت أنه لن يكتمل إلا بوجود المشاركة، يمسح معي ما أتردد أحيانًا في التفريط به، يتمتم بما رغبت في أن أقوله لنفسي خاصة عندما أكون بعيدًا عن الإنصات لنفسي، آخذه معي إلى حيث أحب أن أكون ولا أرتب مسبقًا أن يكون برفقتي أحد غيري، أقول له كل ما يظن العالم أنني كنت أعنيه بينما أنا لم أفكر أصلًا بالعالم.

    يجلس معي بينما أتخيل وتبدو فكرة متمادية بشكل مفرط أن رغبتي تتسع في أن يكون مني نسخة ثالثة، ونجلس الثلاثة معًا بينما تصير الرغبة مفرطة في أن يكون منا نسخة رابعة وخامسة وسادسة، نراقب جميعًا القبيلة ونفكر في أنه كم يبدو هائلًا أن نجلس معًا ونفكر معًا ونقرر معًا ونذهب إلى الأشياء نفسها، يخطر ببالنا الشعور ذاته، نعيش الحياة بطريقة مكررة، وحينها نتراجع بسرعة، نتقلص ونتضاءل مثل بذرة تخيلت ثمارها، ورغبت في أنه لا يكفيها أن تكون شجرة، وفكرت أن تكبر وتتكاثر وتصير غابة، ثم قررت أنه يكفي أن تكون شجرة وحيدة لأنه لا يعني شيئًا وجود نسخة ثانية، اختارت في النهاية أن تتوقف عن الاستطراد في رغبة أو تخيل يقود إلى الهدر.

  • هواجس متطرفة شائعة

    جويلية 3rd, 2020

    يربكه اتصال يصله وهو نائم، رسالة مجهولة المصدر، صوت بعيد غير واضح المعنى، كلمات مغموسة بالغموض، شعور كل مرة ينساب بغزارة، الظن الجيد والسيئ، مصادفات تشبه جزء من تفاصيل عثرات سابقة، التورط بأغنيات تسرق التنبه، الظلام عندما يمس وهج الشغف، الطريق الذي يقترب من ذاكرة الذين غادروا بعد أن غدروا بقلبه، وجع بالغ الرقة، تنامي قسوته كلما خطر بباله أنه ما كان ينوي خذلان من أفلتوا يده، حدسه عندما يبث له إشارات التحذير ويجرب أحيانًا تجاهله، فكرة طيبة عن أشخاص لا يضمن أنهم طيبون أصلًا، تذكر الأيام القديمة وما كان فيها اللعين بالطريقة الضرورية، تردده وهو يقول عن أحدهم كنت أحبه، مراوغة وحدته إذا غفلت عن العناية به ومررت له حنين المشاركة، فضوله تجاه من يجهل ماذا يختار أن يكون حالهم، الليل القصير وهو يفكر بكتابة نص طويل، إحساسه أنه يعتني بالآخرين أكثر مما يفعله لنفسه، تداعي الحكاية بسبب موقف ما زال ينهش التفاصيل، الذين لا يعرفهم ويعتقدون أنهم يعرفونه لدرجة أن يتحدثوا عنه بالنيابة، اعتقاد أحدهم أنه جيد معه بسببه ولا يدري أن هذه سجيته.

    مرتبك من ارتباكه لأنه لا يعرف هل هو طبيعي أم متمادي.

    متوجس أنه قرر التوقف عن طلب ما تمنع أول مرة بينما كان يجب به المبالغة في إبداء الرغبة، أنه كان قريب من الوصول ولكنه تراجع، أنه يملك الأدوات المناسبة وما زال يجرب بطريقة خاطئة، أنه يركض في الدروب التي يظنها تخصه وما من يقين بأنها ممهدة لخطواته، أنه كلما انتظر فرصته المناسبة تسبب بتفويت فرصة مثالية، أنه عالق في كل ما يظنه اختياره، أنه بينما يتحاشى أن يكون الطرف السيئ ارتكب السوء بحق ذاته، أنه يتسامح في هيئة تنازل، أنه متهور في اعتقاده بمصير كل الذين نسي جنايتهم وصار يربكه ما يتمناه لهم، أنه يفسد على الآخرين حظ تجاوزه لأنه يختار حمايتهم بدلًا عن استغلالهم، أنه يفرط بالتفكير في مراجعة دوافعه للقبول والرفض، أنه كلما زاد تركيزه على ما يعيشه تضاءلت حاجته بما يود اكتشافه، أنه يحارب التيه عبر إطالة فترة توقفه، أنه يقاوم جراءة المغامرة طالما أنه يتبرع بالخطوة الأولى للآخرين، أن ما يحدث بسببه يعطي فكرة مغرية بالذهاب إلى غيره، أن ما يعتاد أن يكون بقربه لا يعود يحس ببريقه بمجرد أن يبتعد عنه، أن يسرد كل ما يجول بخاطر أصابعه ويظهر على أنه ما يؤمن به ويعبر عن حياته.

    متوجس أنه ربما هذا ما يفترض حدوثه ولكنه لا يرغب في حدوثه.

    يعاني من الإفراط في القلق على الذين يحبهم لأنه يريد أن يحبهم بوفرة لا يطيقها صدر واحد، على ضياع لحظة من حاضره في استعادة من تقاطع معهم في ماضيه، على كل ما يعطي انطباعًا بالتوحش لأنه ينتظر لمسة من الوداعة حتى يطمئن، على نصائحه التي يقدمها لنفسه ويفهمها العالم باعتبارها تجاوزًا على سير حياتهم، على ما يقوله في لحظة ضعف عابرة ويصير تصور دائم عنه، على ما يكتبه ويصعب المراهنة أن يصل بالطريقة الصحيحة لأنه يستحيل أن يفصل الناس بين شعورهم وتوقعاتهم، على الطريقة التي يخرج بها في حال تهاوت مواثيق العشم دون أن يكلف نفسه عناء التفاتة أخيرة، على من يتبرع بأن يكون وسيط تمرير الحزن والأخبار السيئة، على الصورة إذا ما تشوهت بالتداول بعد أن عاشت طويلًا زاهية في إطار عنايته الخاصة، على البرود الذي يعرف كيف يمهد درب حضوره في طريق الاعتذارات الناقصة والمتأخرة، على عاطفة يصيبها السعار في البدايات حد أنها لا تحتفظ بشيء للجفاف القادم، على تأجيله قرار الخلاص من أعباء من تتعارض نواياهم مع تصرفاتهم، على أن يتأثر يومًا ويشبه من لا يحسون بقيمة ما يمتلكونه إلا بعدما يفرطون به، على من تذبل أغصانهم وعروقهم في صدره لأنه إذا تسرب شعور التقزز إلى أعماقه فإنه ما عاد يقدر على الإحساس بأنها مجرد نزوة، على قدرته في التخفف من كل شيء بمجرد أن يسيل من على أطراف حروفه.

    أن يكون عدوه القلق الذي لم يخطط ولا مرة في أن ينتقم منه.

    خائف أنه لا يخاف كما يجب، أن خوفه مسكين ويستحق الشفقة ولكنه يعامله بحدة.

    مرتبك ويصيبه التوجس ويعاني من القلق ولديه مخاوف، وكأنما لا يعرف أنها هواجس شائعة، متشابهة وفطرية في حال استخدمها للحذر، مرعبة في حال أنه عاملها كمبررات للهروب. متيقن أن كل شيء قابل للتلاشي بتأثير ضحكته، بانغماسه في البهجة، والتحايل بخدعة بسيطة يسميها: تغيير المعنى. بالإيمان أنه ضروري أن يواجه أوهامه البغيضة، أو أن يبتكر أوهامه الشهية واللذيذة. أنه مثلما لديه هواجس متطرفة أحيانًا، يصرح بها مؤقتًا، إلا أنه يمتلك سكينة تساعده في أن يتوقع أشياء آمنة غالبًا، وجيدة.

    أن سبيله للخلاص مرهون بأفراح صغيرة هي زاده وعذره للمقاومة والتجاوز، ومستمر في التعويل كل مرة على معجزة انتهاء ما يعطله بفضل خاطر.

  • المحاولات من واحد إلى عشرة

    جوان 2nd, 2020

    كل كتابة هي منافسة بين البناء والهدم، الظهور والمحو، لعبة “x-o” إنما بالطريقة القابلة لابتكار قوانين جديدة، الخروج عن القالب والدخول إلى الجنون. هنا عشر محاولات لا تصنع لوحة ولكنها تفتح نافذة، أرسم وأكتب لأنه يمكن تأثيث الفراغ بالسحر.

    1

    عروق باطن قدمي

    أصافح بخطواتي، أتحسس حظوظ لا تعرفها يدي، أنبش عن دروب فاتت أن تهتدي إليها أصابعي، أغرسني لأيام طويلة على هيئة شجرة في سيرة الحطاب، أساند عمود الإنارة المستغيث ويومض طيلة الليل، أزاحم كراسي الانتظار في الحديقة المهجورة بأقدام عابرة، أركض مع الوقت إذا ما رغبت في ابتكار فائدة للحظة، أتردد في الضياع لأنه أحيانًا يبدو مثاليًا التراجع، أتوقف كلما راودتني فتنة تفويت الفرص، أتذكر مواعيد خاب ظنها في استجابتي، أسير إلى حيث اعتدت أن أدس هواجسي، أغامر باكتشاف حماقات طرية. أعرف شكل خطواتي، أثرها، الطريق الذي ترسمه، تباعدها غالبًا لأني أقدس الفراغ، خفة ملامستي وكأنما أنقر على الأرض وأسير بالقفز، ركضي وجمودي، وأي قدم تبدأ أولًا في تلمس الطريق، كيفية التأكد من صحة مشاوير الغواية، طريقة قياس كثافة الماء في بركة وفي الهواء، تحريض الغبار على طمس ذكرياتي، وعناق العشب وكأنما ينبت بين أصابعي. وأجهل بصمة كل مكان على باطن قدمي، أتذكر الجروح والندب وأنسى التفاصيل، يفوتني أنه في كل مرة تضع الأشياء مسحتها على راحة قدمي، أن أتخيل كيف يبدو الطريق والعمر في ذاكرة خطواتي، طعم الأيام تحت جلدي، وأنه سيظل دومًا جزء من قدمي شارد عن ملاحظة ما يفوته بسب انحناء وتقوس طبيعي وفطري. إنني أفكر بشكل قدمي لأني أرغب أحيانًا في تغير خطتي، طريقتي وليس طريقي. ولأني أحاول أن أعيد تدريب الإحساس في باطن قدمي، أن أنمي ملكة التنبه في خطواتي، حتى يصير بوسعي الاطمئنان على ملوحة البحر، أن أجس نبض الطين، وأجدد علاقتي بالرمل، وأن أشعر بما أتلمسه في باطن قدمي، وأختار حيث يمكن لي التوقف والتأكد أنه المكان المناسب للتلذذ بانتظاري.

    2

    حياة شخص تتسع للكثيرين

    كما لو أنه سفر في قطار، من هذه النافذة في هذه العربة أرى العالم بنظرة خاطفة. وكما لو أني أرى الأشياء قبل أن تراني، أصل إليها قبل أن تقترب مني، ألمسها بينما لا تزال تحاول الظهور في محيط تنبهي. أبصر ما يمكنه أن يلاحظني، وليست هذه بصيرتي إنما حدسي. من هذه النافذة في هذه العربة في هذا القطار تبدو عيناي مثل طُعم معلق في رأس سنارة صيد، ألمح الحياة من مسافة بعيدة، أشعر باللحظة التالية والأيام القادمة، أتذوق طعم الفريسة قبل أن تخطط وتنوي أن تصطاد هذا الطُعم. من هذه النافذة في هذه العربة حيث أجلس، أحس أن عينيّ مغروسة في المصابيح الأمامية للقطار، تضيء وتكتشف، تومض وتلتقط، وكما لو أني أركض لأكون أول من يمهد الدرب للمستقبل، ولا يشدني شيء ولا يفوتني شيء، أحرك رأسي فتتحرك عيناي وأمشط كل التفاصيل. منحاز لمعاينة ما سيأتي، لأني أعرف أن المصابيح الجانبية تعيش في الحاضر، المصابيح في ظهر القطار دلالة على أن الذكرى تأتي بعد لحظة، المصابيح داخل القطار هي فكرة لتبديد الوحشة. وكما لو أني رغبت في الخروج من ذاكرتي، الدخول إلى فكرة مواصلة السير لأني أعرف أنه في لحظة ما سيحدث واحد من احتمالين: إما أن أعثر على طريقي، أو أن طريقي سيجدني. وهكذا، ما عاد يثير فيني الضياع الشعور بالتيه، وبالكاد صرت أحسه مثل إشارة بأن أركض لمسافة أبعد. وسبق أن قلت سأتوقف، وضعت خطة ونقطة وصول عارف بأني سأجد هناك ما يسع جمودي، راجيًا بأن أشعر برغبة أقل في الركض، هارب من الصخب إلى صخب مألوف، ووصلت. ما كانت مرة أولى نية التوقف والمربك أنه طالما تحققت، أتوقف طويلًا وهكذا تبدو حياتي: توقف وتخطيط للتوقف. ومللت. أعود مثل مسافر وأسكن مثل غريب، طارئ على المكان فيني حنين للغياب، مسكون بالذهاب. أعرفني هناك، أجهلني هنا، مكرر هذا الشعور، قديم هذا الجمود، وعابر. وكما لو أني تغيّرت أسرع مما ظنه الوقت، أبكر مما خمنت هواجسي، كبرت على الانتظار، الحنين والاحتياج، عبرت من فوق الأيام الباردة بأقدام تستفز الدقائق، وليس وكما لو أني راوغت الحياة إنما أخذتها في جيبي وقررنا أن نعيش معًا.

    أتوقف، نظراتي مستمرة في الوصول إلى البعيد، جالس في القطار داخل هذه العربة ومن هذه النافذة ألمحني هناك. لقد رأيتني وأنا في الخارج هناك، عرفتني بينما أدير ظهري لكل شيء.

    3

    الكفاية بالتنازل

    ما يفعله الزمن برغباتي يتلخص في فكرة واحدة: التجاهل. الأشياء التي لا أحصل عليها وتحاول أن تبقى معلقة ضمن قائمة الحاجة إلى وقت متأخر، تتلاشى الرغبة فيها أو في تذكرها. منذ طفولتي وباحتمال أني سأكبر يومًا، تنامت بداخلي المقدرة على السيطرة على تضخم الهوس بالتملك، تصغر مفاتن ما يحرضني أن يصير يخصني، ذلك لأني امتلكت موهبة العثور على عيب في أي شيء يملكه غيري، أو التنبه إلى حالة السأم مبكرًا من شيء أخذه وأكتشف مزاحمته للفراغ حولي. وهكذا صرت المحظوظ بانحسار الرغبة. وعندما أعود إلى وقت بعيد وسواء حينها كان بحوزتي ثمن ما أردته أو تذكرته بجيب فارغ، فإني دومًا ما كنت أراني محمي من الاحساس بالحسرة. لا شيء يؤذيني في الرجوع إلى لعبة أو هدية سرقت تنبهي، إنما شعور بأنه ما أستحق أن يتجرأ ويضع علامة خيبة في ذاكرتي. وما شعرت بالخيبة ولو لحظيًا من مواقف فات فيها أن أكون الخيار الأول أو الثاني أو الأخير طالما كنت أختار نفسي، ومن خيارات عبرت بمحاذاة دروبي ولم تتقاطع مع خطواتي لأني رفيق حظي، ولحظات كنت قريبًا منها ولم أحصل على دعوة للمشاركة وبات ينقصها حضوري، وملذات خسرت أن تتصبغ بطعمي، وصور باهتة لأن ضحكتي ظلت محمية من الهدر وتكاثرت في حلقي وحدي. أيام مزدحمة بالناس والأشياء، منزوعة من الاتساع بمشاركتي، لأني الوحيد البارع في تدليل وحدتي. وعكسيًا انتصرت مقاومتي الفردية على غواية الكثرة، وعوضًا عن أن تسحب موجة الآخرين قاربي الصغير، حاول الآخرون مزاحمتي في قاربي أو السباحة في قوارب تخصهم، وفشلوا وطلبوا النجاة والمساعدة. وحظيت بميزة خاصة في وحدتي، حتى لو أنهم أطلقوا عليها أوصاف الغرابة والنبذ، إنما رأيتها وعشتها عزلتي وكفايتي. ورغبتي.

    4

    مرة أخيرة لمرة أولى

    ذهبت إلى هناك، أنا هناك دومًا، بعيدًا عن هنا، متسمر في الضفة المقابلة، أحرس الأيام عندما تنتهي ورديتها. ملاحظ كيف أن وردية ووردة وورود تحوم جميعها في الدائرة نفسها، تلتف على ذاتها لتحمي تفاصيلها من الشتات، مثل عائلة متماسكة. الكلمات والأشياء لديها الحاجة المحرضة في أن تصنع عالمها الخاص المتقارب، وربما تكون ضرورة البقاء، الحاجة للحيوية، في أن يبتكر كل شيء طريقته الملائمة في مواصلة أن يكون شيئًا. وأنا هناك، في المكان الذي أظنه يسرقني من الضجيج، يساعدني على الانكماش على مشاعري وفوضاي، يرتب سكوني ومقاومتي لاستفزاز العالم ونداءات الاستغاثة، أبقى هناك حتى يصير هنا، أوظف أقدامي في سبيل تقليص المسافة، إعادة الظل إلى النور، الصدى للصوت، ردة الفعل إلى الفعل، الشجرة إلى البذرة، الطريق إلى الخطوة، البحر إلى القطرة، العالم إلى النطفة. وهناك، لأني فيها تصير هنا. مستمر في العمل على مساعدة الحياة في أن تلد من جديد، أن تكون بدائية وفطرية وطازجة مثل الصباح. وبعدها، وبينما يظن الآخرون أنه يوم مكرر، أكون وحدي من يعرف أنه شيء جديد تخلق للتو، نبت هنا وسيركض طويلًا إلى أن يكون هناك. وفي الغد سأفعل الدور نفسه، أضبط العالم لمرة أخيرة من أجل مرة أولى جديدة، مثل ساعة يعاد ضبطها لتهب الزمن توقيت البدء والوصول، والتجدد.

    5

    نص تجريدي

    المسافة مثل طريق وسيل، تحبو على الأرض والأسطح. لكن المساحة ثلاثية الأبعاد لأن لها طول وعرض وارتفاع. جميعها، تنتمي لسلالة واحدة، أمها النقطة ثم ولدت المسافة وتفرعت إلى المساحة، وكل سقف سماء وحدود ومدى. وهذه عتبة خطوات كلماتي، لأني في العادة عندما أفكر بالكتابة أتخيل وقوف طويل على عتبة، محطة انتظاري وقبل دخولي وما تسبق ضياعي، أصنع العتبة أولًا، أضع بذرتين وانتظر حتى تصير دفتي باب، “العابر كما نصفه في القرية”. أتمهل حتى تتعانق الأغصان، يصير المنظر أشبه ما يكون بأرجوحة، لأني أمرر يدي في الفراغ بين جذعي الشجرتين. من الباب الوهمي الأخضر والعتبة حيث تتصبغ أقدامي بالطين، أفكر بالتنازل عن المفتاح لأنه ما من ثقب في فراغ كبير، لا يوجد عين سحرية لأن هذا الفراغ كله عين وليست للرؤية إنما لعبور النسمة وهي تمرجح الأغصان. تصير العين هنا أداة للسماع وجسر للصوت، وما من لسان في الباب لأن الخشب يميل إلى الصمت طالما تتحدث الأوراق وتنكمش وترفرف. ويدي معفية من الطرق والتلويح والنداء، لأن يد الباب تنبت بعد أن عجز اللحاء عن التجدد والتلون، وحينها أكتب نقطة، وبعدها تأتي المسافة وتكبر المساحة، وهكذا يبدو منزل الكلام بالنسبة لي. وأفكر بالنزول إلى داخلي حتى أغرف من مشاعري، أو الصعود إلى سطح ملامحي حتى أهب المرآة تعابير تبث فيها حيوية الوجوه، أو البقاء هنا معلق بين عقلي وقلبي وعند لساني، وكأنما ريشة التوازن بين كفة الأفكار والإحساس هي لساني التي تتذوق وتقطف الكلام. وأخطط للتراجع من عند العتبة لأنه لا يمكن أن يكون هناك باب بدون وسادة، وفي الواقع أعرف أن المواعيد تستغل العتبة لترخي رأسها والأبواب لتريح جسدها، وأنا مواعيدي مستيقظة وتنتظر.

    6

    مسايرة التيار

    نقاشات فاسدة كان يمكن تجنبها بواسطة تفعيل خاصية المسايرة، هز الرأس بالموافقة والاكتفاء بالمعارضة للصوت الداخلي. أفكار عديدة جديرة بأن تكبر لولا أنها واجهت أزمة الجدل لحظة تخمرها، مشاريع ملهمة أجهضت في بدايتها لأن الآخرين لم يكونوا مستعدين لاستيعابها، تغييرات ستصير واضحة وثمينة إن حالفها الحظ ولم تتعرض لموجة سخرية في أول خطوة، حكاية ستكبر في حال حظيت بفرصة الإنصات وهي تتشكل، حياة كاملة يمكنها أن تتبدل لو أنه يتوقف الناس عن التدخل والتشكيك ومحاولة المساعدة. ويظهر أنه بدائي كم أن المسايرة ضرورية وبسيطة، إنها مثل أن تترك للعالم أن يصنع طريقه وتستمر في طريقك دون أن تنبه أحد لخطتك، سيفوتك الدعم والتحفيز ولكنه لا يقارن بالخلاص الذي تحصده بأن تحتفظ بنواياك لنفسك، ستجد أنه وبمجرد تجاهلك المشاركة أنك حصلت على غض الطرف من الفضول، ستكون وحدك في ركضك ولكن معفي من الأصوات المزعجة التي تناديك للتراجع، وأنت تعرف أنه يوجد أشخاص يختارون الجلوس والثرثرة والنداء بالبقاء على الحال نفسه. الجمود فكرة رخيصة لذلك يسهل اكتسابها عبر البرود، الحرارة تتكفل بالذوبان والسيولة والحيوية. افعلها، راقب قالب ثلج وهو يسيح في راحة يدك، حاصر الماء وحاول السيطرة على القطرات بينما تتفتت، لحظة تعبر من الشقوق في باطن كفك ومن بين أصابعك، هذا المشهد يصف بوضوح كيف أن الذوبان وسيلة للارتواء. في الحياة عمومًا إذا تنبهت للبرود يصيب شيء منك، شعورك أو فكرتك أو شغفك أو محاولاتك، فإن كل ما يتطلبه الوضع أن تشعل رغبة التمرد والتغيير والبدء من جديد. دومًا هناك ضوء يكفي لصهر كل الجليد، لكن عليك أن تعرف أين تضع نافذتك.

    7

    طموح الجيدين وحسرة السيئين

    يتغاضى الناس عن جلد الذات حد أن بعضهم يشجعه ويعده نوع من الشجاعة، ويتحقق جزء من التضامن نتيجة تقليل الشخص من نفسه وتقديمه الأعذار المسبقة ليكون سيئًا، وربما لأنه ضاق صدر العالم بالمغرورين والفارغين حتى صار نشازًا أن يتغنى الشخص بذاته وحقيقته. لكن، أنا أعرف كم أبدو ثمينًا عندي ولدي أسباب عديدة، وأدرك بوعي كامل أنني طموح الجيدين والنموذج المثالي للتشبه به، وأني حسرة السيئين لأنهم يرون فيني كم هم سفلة ويعجزهم أن يستبدلوا أنفسهم. في الواقع بذلت الكثير لأكون بهذا الشكل، سمحت أن يصادفني الكثيرين ويذهبون وهم يظنون أنهم تمكنوا من خداعي، وما تنكرت ولا مرة لوجهي الطفولي ولا خجلت من أن ترتبط السذاجة ببراءتي، وما خضت ولا معركة واحدة في دحض فكرة بغيضة عني ولا بذلت جهدًا في تضخيم مديح يخصني، ولا يشغلني أن أعرف فكرة أحد عني ولا يؤذيني أن كانت لا تشبهني، وما شعرت يومًا بالزهو بنفسي ولا سمحت بأن أرضخ بسبب تواضعي. ومثلما أحب اللين إلا أني حاد مع نوايا المساس بما يخصني، وأعرف أني فوت فرصًا مثالية لأشعر بالزهو في أن أدهس على قلب أحدهم أو أكسر خاطره، وتحاشيت مرات وصلت إلى حد الانتقام وتراجعت في آخر لحظة، وأشياء كثيرة كانت ستهبني شعور السلطة والجبروت وقايضتها باللطف والوداعة. ومهما كلفني ما أختاره من ظنون وحملني من أوصاف الضعف والهشاشة والجُبن، إلا أنني أحببت أن أبدو مثل شجرة تسمح لغصنها أن يرف ليعطي النسمة شعورًا بالأهمية وحتى يهب الظلال حظ الحركة، لأنني أنسى ما يعتقده الناس عني وأتذكر ما أعرفه عني.

    وأدرك أنه لا حاجة للأسباب حتى نكون ثمينين عند أنفسنا، إنما كنت أتذكر كم أنا محظوظ بنفسي، وكم أقدس كل الذين يعرفون كم هم محظوظون بأنفسهم.

    8

    السماح للملل أن يكون جميلًا

    أحيانًا، أدع الأغنية الرديئة تستمر حتى تنتهي من تلقاء نفسها، أذهب مع القصة السخيفة إلى آخر محطة، أمنح لمبة السقف الوقت الذي تحتاجه لمحاولة استفزازي وتبديل وضعية جسدي المستلقية، أهب الطريق فرصة أن يتسبب في تأخيري واستفزازي ولا أهرب منه، أسمح لحكاية باهتة أن تكبر وتتسع وتسرد كل فصولها وتفاصيلها وتدعي أنني فيها، أجلس مع البلادة على طاولة واحدة مثل صديقين يشعران بالكسل من التصريح بأي ضيق أو حنق، أصادف النسخة المكررة والقوالب المعلبة والمواقف المُعادة دون أن أعبر ولو بكلمة عن برودة اللحظة، أترك الأشياء تتسمر في مكانها ويتراكم عليها الغبار ولا أتدخل، الأيام وهي تحاول تكرار تفاصيلها ولا أقول عنها أنها بغيضة، الساعة وهي تتحرك ببطء طوال الظهيرة وأنا جالس ابتسم بسعادة أن تركض بالنيابة، صنبور الماء المعطل ويشتكي بقطرات تستمر بالنقر في المغسلة وأتجاهل فكرة أنه صوت رتيب، الخطوات الروتينية للذهاب للمكان نفسه مكتفيًا أن المكيف يعمل بشكل طبيعي، تفهم أن يستمر شيء في ترديد الشيء نفسه طيلة الوقت لأنه لا يرغب في تأدية عمل آخر، شعور بالغبطة تجاه حافلات خط البلدة وموظفي خدمة العملاء حتى يشعرون بالزهو، أن أتابع الكتابة وتراقبني الحياة أو أراقب الحياة بينما نتبادل الأدوار وتكتب دون أن يتبرع أي منا في تقديم النصائح. أن تستمر الأغنية الرديئة ولا انتبه لها لأني في لحظات أفكر أنه يمكن إضفاء لمسة فنية على الملل، والتظاهر بأنه جميل، وكأنما أضحك على الدعابة نفسها مجددًا.

    9

    تشويه الأسئلة بسبب ضرورة الغباء

    ماذا يجدر بمن يسمعنا نقول عن كل ما مررنا به معه أنها خطيئة وحماقة يفعلها كل الناس في الحياة وهو يعتقد أنه ما استراح لنا جفن وما تفتح لنا درب إلا وفكرنا به؟ ماذا سيكون شعور اللوحة المعلقة على الحائط لو عرفت أننا نضعها في هذا المكان لأننا اعتدنا أن نقول الجدار الذي سنعلق عليه شيء يقلل من روعة المكان؟ ماذا كان سيشعر به الشخص الذي يغيب الآن في خدره بسبب كلمة صهرت قلبه إذا عرف أن الكلمة فائضة عن الحاجة وفاسدة وكان هو فراغ ملائم؟ ماذا تشعر به نسمة قطعت مسافة طويلة من طرف بعيد في العالم ووصلت إلى هنا وداعبت شعر الفتاة التي تفاعلت مع الموقف بالتأفف والاستنقاص من طريقة التحرش المفضوحة والمقززة؟ ماذا سيفعل ذاك المتباهي بأنه أخيرًا وصل إلى حيث تمنى ورغب أن يكون لو أخبره أحد منا أننا نشعر بالشفقة على من يجلس في المكان الملعون؟ ماذا يخطر ببال اللحظة التي وكلما حاولت أن تكون أكثر فتنة وتحريضًا على التمسك بها سمعت من يقول لنبحث عن طريقة نضيع بها الوقت؟ ماذا سيقول الآن من أعتاد أن ينبهنا من حثالة العالم إذا عرف أنه في كل مرة كان يتحدث فيها كنا نعي أنه يحذرنا من نفسه ولكننا كنا نحب أن يبالغ في شتم ذاته؟ ماذا سيكون تأثير معلومة أننا نضع الصورة الأقل قيمة على الغلاف لأننا نتسامح في حال تمزقت أو بهت لونها وهي التي تظن أننا كنا نفضلها ونختارها في أول كل شيء؟ ماذا سيظن من يثق بالكامل أنه حاز الاعجاب والملاحظة بسبب روعته وجاذبيته وذكائه إذا عرف أنه كان ملفتًا لأنه دنيء ومعتوه وغضبه يثير حالة ضحك هستيرية؟ ماذا سيتغير عند الأشياء التي تؤمن أنها تحظى بفرص أكبر في الطلب والرغبة إذا لاحظت أنها هي من تفرض نفسها وتهب ذاتها لكل عابر ولا أحد يرفض ما يحصل عليه بالمجان؟ ماذا يفترض أن يكون موقف شخص أخبرناه أكثر من مرة وبكل طريقة أنه يؤذي الناس ويتمادى في الإساءة طالما أنه صار في مواجهة الوحش ويعاني من نفسه على نفسه؟ ماذا يعني للحياة أننا ندرك كل ما سبق وأكثر ولكننا لا نريد إفساد حفلة أحد؟

    10

    أصابعي تروي عن أصابعي

    أراقب أصابعي تسير خلف خطواتي وتبحث عن مشاعر سقطت في غفلة من بحثي، تلتقط كلمات غفلت عنها في صمت صار شكل تواصلي مع الأشياء من حولي، تتحسس الذاكرة وتتأكد من أين تسيل الألوان لأن الصور تسرب تفاصيلها كلما تأخرت رغبتي في استحضارها، تجرح المواقف من أطرافها لأن اللحظة إذا ما كانت فارغة نهشت من مستودع الأيام القديمة، تصهر مواعيد ما عاد من مساحة في العمر لانتظارها، تعيد ضبط الوقت في راحتي بعد أن جفت المصافحات، تفتش عن الأغنيات القادرة على صبغ الخطوط في يدي، تتلمس الألفة في كلمات صار مؤكد أني سأعيد استخدامها، تركض مع هواجسي ويؤذينا معًا أن توثق ارتباكي، تجلس في مواجهة خوفي ويا خوفي من الاعتراف بالغصة في حنجرة حزني، تتلاصق لأن المسافة تبتز الحاجة في حروفي، تجس الرهافة بينما تجري في عروقي، تتأمل الأفكار كلما أوصدت الأبواب عليها خرجت من بين شقوق النداء، تتعارك مع أسماء ما عدت أرغب يا الله في أن تكون جزءًا من شرودي، تقسو على نوافذ الحنين وهي تحاول أن تستفز مقاومتي، تعيدني إلى كل ما تجاوزته ويحاول أن يرجع إلى حاضري، تشير إلى ما كان سيفوته تنبه العالم لولا مساعدتي، ترسم في الهواء حكايات ودروب تنتمي إلى فئة ما تحس به يمكن اليقين بوجوده، تلعب في التموجات في الحيز القريب من باب التسلية، تبعثر جمود وصلابة بفرقعة صغيرة، تخربش ما يبدو وكأنه برواز لوحة بطريقة فوضوية وساحرة ويستحيل رؤية المشهد، تضحك لأنها قادرة على التكفل بميلاد ابتسامات ندية وشهية، تراوغ ببساطة كل شيء، تفعل أشياء يصعب التصريح بها مراعاة لمشاعر الآخرين. تستفزني في التطفل على سلوتي، وأنا جالس أراقب أصابعي تبحث عني وأركض بعيدًا بحياتي.

  • الرابط صحيح لكنه لا يعمل

    ماي 31st, 2020

    لم تكن الاتجاهات ذات قيمة في حياتنا لأن الذين ينبتون في الريف يتأثرون بطبيعة الحقول وتصير حياتهم شبيهة بالأشجار، يراقبون بلهفة شروق الشمس بينما تصعد الجبل وكأنما يحظون بمنحة أنهم في دائرة الضوء ويمضي نهارهم في ملاحقة الظلال لأنها تسليتهم الوحيدة حتى نهاية اليوم. ولأن أبناء الريف مثل الأشجار فإنه نادرًا ما يخطر ببالهم السفر ولكنهم على سبيل التعويض يشعرون بأن الأماكن تأتي إليهم، فإذا تتيبست الشفاه وتشققت كعوب الأقدام فإنه موعد هبوب “النجدية” وبداية موسم الجفاف حيث تتلعثم الكلمات وتتعثر الخطوات، وحين تأتي تهامة يكون قد حان موسم “الغورية” الناعمة والرقيقة والمشبعة بالحنين مجهول الهوية، ولأنه بديهي أن كل الأشياء الناعمة حادة وتخز القلب كما يعرف أو يظن القروي. لاحقًا وبشكل فردي وفي تجربة متفردة يتعلم الواحد منا الاتجاهات سواء عندما يضيع أو يجرب الوداع أو يقرر الهروب، بالنسبة لي اكتشفت الاتجاهات بسبب لعبة “الثعبان” في كمبيوتر صخر في عطلة كانت ستبدو مقاربة لكل الأيام، حينها جلب أخي العالم كله إلى بيتنا وصار في الشاشة قناة ثالثة، سهم إلى أعلى ومثله إلى الأسفل وعلى الجانبين سهمين آخرين وهكذا مشيت أول مرة خارج حدود القرية، وبسبب لعبة “الثعبان” يخطر ببالي كيف تورطت بالإشارات لأنني من حينها وأنا أبحث عن المعنى والمغزى في كل ما يصادفني، لأن الحياة مجرد رسائل غامضة نروضها بالتخمين والافتراضات وفوضى الاحتمالات على كل حال. ورغم ندرة الأكسجين في الجبال لكن كبرت مثل شجرة تقاوم وترغب في أن تعيش قبل أن تتحول إلى باب أو نافذة أو عمود في منتصف مجلس منزل تدخل في بناءه الحجر والطين، وربما كنت محظوظًا أكثر من شجرة لأني أحب مواساة نفسي عندما يفوت أن تسكن العصافير على كتفي وتبني أعشاشها في قلبي بأن أقول لقد بدوت مثل فزاعة، لأنه من الجيد أحيانًا أن تكون مصدر خوف حتى وأنت خائف. بعد أن كبرت صرت مسؤولًا بما يكفي للحصول على كمبيوتر محمول بوصفه كان أول شيء يهبني فرصة امتلاك شيء يخصني وأستطيع أن أنسبه إلى نفسي، لأنه بالعادة في الريف يكون لزامًا علينا أن نكون اجتماعيين ونتشارك كل شيء حتى أسمائنا لا تخصنا لأنها تكون استنساخ وتكرار لقريب أو صديق أو خاطر في المنام، وبوصفنا نناضل على الحد من شراهة مطاردة التغيير. قلت في نفسي بعد أن حصلت على الكمبيوتر المحمول أنه في حال تمكنت من استخدامه والتعامل معه من دون الاستعانة بالفارة “الماوس” فإن حواسي تكون قد بلغت الذروة وتجاوزت عتبة التمنع، ولا أنسى متى وصلت للبراعة لدرجة أن تركض أصابعي على مربع اللمس في لحظة تنبهت فيها للأمر بينما أتحسس ملامح شخص غريب من مسافة بعيدة في العالم الافتراضي، وحينها تيقنت أنني ما عدت شجرة ولا فزاعة وتحولت إلى فكرة في المخيلة لأن الذين ينغمسون في تصوراتهم يخرجون من واقعهم إلى شاعريتهم.

    قبل الخطوة نتدرب على العثور على الطريق خاصة وأن الجبل نية الرفض ودلالة التحدي وشرود السقوط، وتدريجيًا يصير طبيعيًا أن الواحد منا لكثرة القفز يتوهم أنه يطير أو تنطلي على نفسه خدعة أن بوسعه أن يكون هناك حيث يبدو وكأنه ما عاد هنا، وهكذا نتذكر ونعود ونكون في أمكان عديدة مثلما كنت قبل لحظة في ماضي حياتي وعدت الآن إلى لحظتي، وكأنما فات وقت طويل على ملاحظة أن ما عشته سابقًا كان يخصني أيضًا لأني بشكل خاطف تذكرت حياتي دفعة واحدة بينما أجلس بعد منتصف الليل في مقهى شعبي في مدينة جدة ويصلني على الواتساب ويصادف منتصف شهر مارس 2020 قرار حظر التواجد في مقرات العمل بسبب جائحة كورونا، وأول ما خطر ببالي حينها أنه بنهاية دوام يوم الأحد الذي كان بالأمس أنني نسيت الفارة “الماوس” في الرف المجاور لمكتبي، ومثل الاتجاهات يكتشفها الواحد منا بشكل فردي وفي تجربة متفردة كان هاجسي يتلخص بأني معرض لتهديد فقدان قدراتي على التحكم بحواسي طالما أن “يدي الثالثة” بعيدة عني هناك، وحتى وإن كنت لا أحتاجها ولكن لم أمتلك جراءة الاستغناء عن وجودها معي لأني متوجس من شح يصيب يدي عن كل ما أرغب في تحسسه أو مصافحته أو النقر عليه أو الدخول إليه، ولأن مخاوفنا طريقتنا العكسية في جلب حظوظنا لأنها تبدو وكأنها رغباتنا لكثرة ما نفكر فيها، كنت قد عشت المسافة بيني وبين نفسي وبيني وبين الحياة الواقعية القريبة وصار الآن العالم كله مثلي وبينه وبين الحياة الواقعية مسافة، من هذه الدقيقة كل شيء بعيد هناك باستثناء أن التوجس صار قريبًا مثل تسليتنا الوحيدة في الريف عندما كنا نركض خلف الظلال، ورأيت نفسي والآخرين مثل فزاعات عاجزة عن إثارة تهديد الطيور أو جلب الطمأنينة لبعضها.

    وكأنما عدت إلى القرية شجرة هرمة في واحد من الحقول المنسية مرتبك بسبب ثغرة في جدار وهم العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة لا تشبه التي عرفتها في طفولتي، ومن دون وجود ضمانة الفوز بالنجاة ما دمت تورطت بالانغماس، وبعد أيام لم أحصي عددها لأني صرت أفكر فقط بحساب المسافات، وجدتني أنهض من مكاني بعد أن تواصل الطرق على الباب ولأنه صار يؤذيني أن يرخي أحدهم يده على جزء مني والباب ينتمي إلي ويخصني، وحينها ظللت عالقًا خلف الشاشة منسحبًا من لقاء اقترحه مجموعة من الأصدقاء عن الكيفية المناسبة لمواجهة مخاوف أن يظل الشخص مهووسًا بأن يكون محاطًا بالآخرين، ولكنني ما استطعت الدخول إلى الاجتماع مجددًا لأن الفارة “الماوس” ما زالت بعيدة هناك في الرف على المكتب، وفات العالم أن يسمع صوتي بينما أقول أنه كم يبدو ضارًا أن يظل الشخص محمومًا بأن يجلس مع نفسه وأفكاره وهو هش وضعيف ويمكن أن يتلاشى بينما يرغب في أن يطمئن ويلتصق بأحدهم، حتى ولو كان ذلك بأطراف أصابعه على أقل تقدير وتخدير مثلما كان سيحدث لو أن العالم لم يتطفل ويحاول أن يكون شبيهًا بقريتنا الصغيرة، إنما ما عدت شجرة والحياة ما زالت تختبر الاتجاهات وتتدرب على الشاعرية.

  • الوجهة البعيدة

    ماي 21st, 2020
    لا يوجد تفاصيل لأنه لا أحد يخبرنا عن شكل العالم هناك

     

    كنت، تعطي حرية البقاء والذهاب، الدخول والخروج لكل ما سواك لأنك ثابت. وفجأة، مثل لحظة تذكر موعد تغيّر بسببه طريقك، تخرج من حالة إلى حالة مختلفة لأنك تنبهت لشيء جذبك وسيطر على حواسك، تتوقف عن استكمال ما تعمل عليه أو تفكر به أو تغوص في أعماقه، تغادر وتترك ما حولك عالق دون أن تشعر بتأنيب ضمير من كل ما حكمت عليه بأن يصير في خانة الأشياء غير المكتملة، تتنازل بمساحة تتكدس فيها مشاوير ناقصة، تختار أن تقص من مكان لا يظهر عليه علامة “مخصص للقطع”، تبصر الساعة وكأنها تخلت عن واجبها في أن تكمل دورتها وتقفز إلى الساعة التالية متجاهلة الدقائق المهدرة، تقرر دون تخطيط أن تنحرف وجهتك. فجأة، لا تعود هنا بالطريقة المألوفة لحظوظك وظنون العثور عليك وجلوس ظلك، تنتقل إلى هناك حيث لا يتوقع أن تكون، تلوح من بعيد للروتين والتخمينات المضمونة والافتراضات المحمية عن الشك، تسير في درب جديد أنت عليه، تقول كلمات لم تستخدمها قبل الآن، تظهر في مشهد بصفتك عنصر طارئ، تقبل اعتبار حضورك بمثابة مرور عابر ومؤقت، تحمل بطاقة زائر لأن ذلك أسهل من عناء اكتشاف اسمك، تشعر أنك في مطار بين رحلتين ولكن لأن حقيبتك معك تختار أنك وصلت، تحس بأنك كنت تخدع الجميع بأنك تسير إلى محطة قادمة وعندما تغافل العالم عن مراقبتك تسللت وهربت، تصير شخصًا آخر ليس مثل الذين تكرههم لأنك لن تتشوه وتبدو مثلهم، ولا تكون مثل الذين تحبهم حتى تبقى مختلفًا عنهم وتحبهم، ولكنك تتحول إلى شخص آخر لا تعرفه، تبدو وكأنك ما عدت تخصك لأنك ما عدت تنتمي إلى كل ما كان يتباهى بأنه منك، تضحك على الاعتياد لأنه نسي أن يدون ضمن احتمالاته فكرة انسحابك، تسخر من الملل لأنه فشل في أن يبتز سخطك ويحرضك على الاستجابة، تنبه كل شيء وكل أحد أنك عندما ترغب في الخروج فإنك لن تهدد أو تراوغ أو ترتب طريق الرجوع، أنك فقط تشيح بوجهك وتطوي قلبك في صدرك وترحب بالتذكر في حال كان محظوظًا بمصادفتك. تخرج وتنتهي الحكاية.

  • بكلمة رقيقة حنجرة العالم ناعمة

    ماي 17th, 2020

    غالبية خطوط الإنتاج تعتمد على وجود الحرارة ضمن مراحل تخلقها، في الاختراعات والعمليات الحيوية والصهر والتشكل والإذابة والاستخلاص والتحول والمزج تعتبر الحرارة عامل أساسي وفاعل. حياتي، ركضي وتوقفي ووصولي وانتظاري وتجاوزي عندما راقبتها لاحظت أنها تأثرت بالحرارة، وحدها مواقفي وانفعالاتي وقراراتي خاضعة لمعايير البرودة.

    ومنذ أول مرة كتبت فيها هنا، وحتى لحظة كتابتي هذه التدوينة مررت بمحطات وتجارب كثيرة، سأحاول أن أسردها هنا على هيئة صور في ألبوم التذكر والحنين، وأفعل ذلك بدافع ثابت في مجمل ما رغبت يومًا في القيام به، إنه من أجل مراقبة نفسي وأفكاري، رصد لخطواتي لأني أكاد أنسى ما مررت به لولا أن أسجل من وقت لآخر نقاط توقفي ومسافات ركضي. وفي سبيل توثيق ما أرفض قطعيًا أن يتنبه له أحد غيري، الدور الذي يساعدني في تجاهل كل ما يظنه الآخرون عني مقابل أن أعرف حقيقتي، مكتفيًا بأن أستمر في أن أكون الوحيد المسموح له إدراك كل تفاصيل حياتي طالما إنها تخصني، وحدي.

    صورة 1: الجدار والبرواز.

    في أبريل 2015 صنعت هذا المكان الافتراضي، خمس سنوات بالكامل منذ صار لي مساحة خاصة وبعيدة عن فضول التلصص وحميمية المشاركة. سكنت هنا، كتبت ودونت ورتبت أفكاري ووزعت شتائمي وصرحت بكل حماقاتي. وطوال هذه المدة غيّرت وظيفتي واستغنيت عن سفلة وكسبت أصدقاء عظيمين، جربت وغامرت وما ندمت على شيء. ومهما حدث وصرحت بكل ما في صدري وعقلي إلا أن هذا المكان حافظ على أن يكون سري وخصوصيتي، لم يحدث أن أخبرت أحدًا عنه، في البداية تملكتني رغبة بأنه بعد وقت قصير سوف أعلن للعالم عن المكان، ويومًا بعد يوم تزداد حاجتي أن أكون الأناني الذي يختار لذة خالصة لنفسه وحسب.

    وأخطط قريبًا للكشف عن هذا المكان، عن مخبأ الكتابة والتدوين في السر، حيث أرتب الحكايات وأتلو هواجسي بعيدًا، أسرب بعضًا من مشاعري وأفكاري وما أظنه للعلن، وأختار أن أدس ما يستعر في قلبي ويركض في عقلي بعيدًا في الظل، راغبًا في الانحياز إلى التكتم على كل شيء لم ينضج بالكامل. لقد كنت أصنع الفخار الخاص بي، أرسم عليه نقوش خطواتي وأثر أصابعي، أخلط ماء حبري وروحي مع طين تجاربي وشرودي، أعجن الريف والأسفلت حتى تختفي بصماتي. كنت أتعمد منع العالم من المشاركة في صناعة “الفخار” الخاص بي، أو التدخل في الشكل أو الفوضى أو التمرد أو الرغبة في أن أجرب خلق شيئًا آخر غير الفخار. لقد عرفت منذ البداية أنني لا أشعر بالظمأ ولا يغريني السراب ولا يهددني البحر، بلل الماء في حلقي حقق كفايتي، أصابعي الجائعة كانت بحاجة أن تمس شيئًا فكتبت وقبضت على لحظتي. تجريب ومحاولة، لأنه وبكلمة رقيقة حنجرة العالم ناعمة.

    وعندما أفكر بالكتابة لا أكون مشغولًا بأن أصل في النهاية لتحقيق كتابة جيدة لأن هذا معيار منخفض، إنما تتحرك أصابعي بمجرد أن أمتلك فكرة جديرة بالتوثيق، فكرة أعي تمامًا أنها تخصني، تمسني ولها قيمة ويليق بها أن تعيش، مساعدة لنفسي، وكل ما يقدر على مساعدتي أظنه يقدر على مساعدة غيري. وليس لأن الناس عالقين في انتظار الاكتشاف الذي سأقدمه، لكن لأني سأظل متجمدًا حتى أعثر على طريق.

    بالكتابة عندما يكون جوهرها فكرة جيدة أعرف بأني أساهم بتوفير الحرارة اللازمة للبدء في الركض، أجرب وأحاول وأبحث إلى أن أقترب من لمس ما أظنه عبقريًا، وإذا وصلت من أول مرة فإن هذا لا يعني أنني لن أجرب مرة ثانية وثالثة، وأكرر ما أتوقع أنه يليق به أن أتلذذ بمذاقه مجددًا، وعندما أتعثر فإني لا أتوقف عن المحاولة. الوصول ليس الهدف الذي أسعى إليه، ويشغلني الاستمرار في التجريب واختبار الأفكار والطريق والنتيجة. أكتب لأني مطمئن أن في الحياة فكرة جديدة وتنتظرني، ولن أخذلها.

    صورة 2: الكفاية بالصمت.

    في 29 أبريل 2020 كتبت في حسابي في تويتر تغريدة: شبيه بمن استأذن للخروج، وتأخر قليلًا في المغادرة. كتبتها في فجر ليلة من رمضان ودون تخطيط أو تعمد حينها وجدتني بعد نشرها أفكر بجدية في أنه حان فعليًا وقت المغادرة، أن ألتزم بفكرة جنونية قلتها قديمًا على سبيل المزاح والسخرية وبقيت مثل علامة، عندما قلت أنني سأجلس وأراجع حياتي الباردة مجددًا، وحينها يمكن أن ينبهني الماء الساخن بينما تستعر أطراف أصابعي.

    بالنسبة لي فإن تويتر هو المكان الوحيد لحضوري وتفاعلي من بين منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، أملك حسابًا في إنستقرام كان بهدف حجز المعرف المماثل لمعرفي في تويتر، وتجاهلته من حينها وحتى اللحظة وأنوي مواصلة تجاهله لاحقًا، ويروقني أني لا أعرف شيئًا عن كل ما يحدث في إنستقرام. سناب شات ومنذ أول مرة عرفت فيها عنه تجاهلته دون أن أكلف نفسي عناء تجربته، ولاحظت أن العالم البصري سواء اللحظي أو الممتد في الخلود لا يجذبني، وليس لأن عيني تعاني من الذبول أو أن بصيرتي شحيحة، إنما لأن هذا النمط من التفاعل لا يناسب ذائقتي، وهذه ليست مشكلة إنها رغبة ولا يهم أن تفسر وجود خلل ما. أقاوم الصورة لأني حاد في التعاطي مع الجمود.

    تويتر الأقل رفضًا وحساسية عندي، خاصة وأني أتعامل معه مثل “بوري” السيارة، نادرًا ما أكون بحاجة استخدامه ودائمًا ما أكون منزعجًا بأن يصلني صوته. ولذلك نادرًا ما تصفحت التايم لاين، فضولي معدوم تمامًا بما يتداوله الناس ويتشاركون في التهامه، جهل متعمد بما يحدث في حياتهم وكيف يعيشون أيامهم وماذا يعجبهم وما هي خيارات رفضهم، يفوتني كل شيء عن نية مسبقة بأن يفوتني كل شيء، وهكذا لا يعرفني الناس ولا أعرفهم إلا بجزء ضئيل وهذا جيد لنا جميعًا.

    وعندما رغبت بالتوقف عن تويتر لم أعطل الحساب وأحذفه مثل خمس مرات سابقة، آخرها كانت في 2016 وأظنها امتدت لمدة سنة حتى حان موعد الرجوع مجددًا، وفي كل مرة توقفت كنت مدركًا لقيمة خوض تحدي البدايات، تقليل فرص الظهور والانتشار لأن ذلك يضعني في موقف الزهو والتباهي والتعويل على ظنون الناس وذائقتهم، الاستسلام لما يرغب به غيري وما يتوقع أنني صرت متكفلًا بتأديته، الذوبان والتماهي مع خيارات لا تخصني ولا أنتبه كيف صارت تخصني، لكل ما سبق وفي سبيل الحماية ومن دون خوض صراع الثبات أمام الموج صار يكفيني خيار التوقف، ويبهجني.

    أحيانًا، حين يأتيني عتب على صرامتي في التعامل مع تويتر، ويكون عتب مدسوس بداخله تحريض على التأنيب بأنني خسرت الوصول إلى أرقام كانت كفيلة بتغيير مجرى حياتي أو على الأقل المساهمة في اتساع دائرة حضوري، كنت أعلق بأنني ما رغبت يومًا في تغيير مجرى حياتي، ولا يجذبني أن يكون حضوري ملاحظًا وملفتًا عند أحد غيري. الاستثنائي هذه المرة في تعاملي مع تويتر أنني لم أعطل حسابي، ولم يكن الأمر بسبب أن تغيير طرأ عليّ أو على العالم، إنما لأني بعد التغريدة المذكورة أعلاه عزمت على التوقف، وحذفت التطبيق.

    في اليوم التالي، ولأني أحب أن أقول أفكاري بصوت مرتفع حتى أسمعها وأتأكد من فاعليتها، أخبرت أصدقائي عن نيتي في حذف الحساب، وبينما أحدثهم تنبهت أنه قبل أيام نشرت نسخة إلكترونية من كتبي: أرواح عارية، بورتريه الوحدة، ست دقائق، الأمر الذي دفعني إلى التراجع والاكتفاء بأن أكون بعيدًا وحسب، لأن مساعدتي للآخرين ومساعدتهم لي لا تتعلق بأن نكون حاضرين بقدر ما ترتبط بأن نمهد دربًا أو نفتح نافذة وينتهي دورنا. ولأنني صرت أعرف أن الصمت كفيل بأن يغض العالم الطرف، ويتظاهرون مثلما أتظاهر بأنني في حالة سكون.

    صورة 3: ترويض العزلة.

    بعد التوقف عن تويتر لاحظت ما يشبه بدرجة ضئيلة شعور الضياع، ذلك لأني اعتدت ضمن سلوكي اليومي أنه عندما يكون هاتفي في يدي فإني أدخل إلى تويتر كجزء من الاعتياد، وضمن رحلة الفضول في التنقل بين الواتساب والايميل أو الملاحظات. وبداية نبهني شعور التغيير بأني بدأت في الانسحاب وتجاهل مصادر تشتيتي، وتيقنت أن ما يفعله الناس وقت فراغهم اللحظي ينعكس بشكل كاسح على بقية حياتهم، وعندما أقول الناس أنا أقصدني وأظن أن الناس يشبهونني نسبيًا وأشبههم.

    مفهوم الخروج عمومًا يرتبط عندي بالعودة، الدخول يعني لي التنازل والتفريط بأن أكون معي. الخروج هو الرجوع في حين أن الدخول هو مغادرة نفسي، في كل تجاربي يتحقق عندي هذا المبدأ ويتأكد. لذلك في طريق إيابي ركزت على البحث عن الأشياء العالقة، أفلام أرغب في مشاهدتها، أفكار كتبت مفتاح تذكرها، أعمال فرضت على ذاتي أولوية قرأتها، تفاصيل مكدسة أرغب في تفحصها ونفض الغبار عنها وتصنيفها. وبدأت الانغماس في عزلتي.

    ما يساعدني ويوفر عليّ الوصول إلى التكيف السريع، أني في مجمل حياتي أعيش حالة العزلة كتمرين يومي، وعندما أرغب في أن تصير عزلتي مسيطرة على يومي بالكامل فإن الأمر لا يكلفني غير التوسع فيما أفعله مؤقتًا، ليصير هو كل ما أفعله. وعندها يكون حضور الناس معتمد على ما أنجزوه وليس على ما يفكرون فيه، أغيب في رفقة من يجسدون حياتهم عبر محاكاة فنية أو إبداعية، أتجول بين اللوحات والوثائقيات والنصوص والقصائد والمراجعات والجنون والأغاني، أكون مع الذين لا يجلسون معي ولكنهم يتسللون إلى عقلي وقلبي، محمي على الدوام من التورط، وأكتب أكثر.

    صورة 4: شعاع تحجبه سحابة.

    خلال أول ثلاثة أسابيع من عزلتي الجديدة والطرية خضت الكثير من التجارب، اختبرت أدوات تأملي بشكل أكبر وتفحصت ذائقتي، اكتشفت موارد تسد جوعي وتتكفل بشبعي وتثمر في مباركة كفايتي، زرعت مسارات ووضعت قدمي على بداية مشاوير ركض للقادم من عمري.

    في الوقت نفسه كنت أتردد على مدونتي، أرشيف رحب من الكتابة في معمل التجريب الخاص بي، وقبل أن أكتب أشياء جديدة كنت أتخلص من أشياء قديمة وظفتها خلال عملي على كتاب: ست دقائق، وفيما بعد استغللت أكثرها في كتابة إصداري الرابع: قيلولة/ المربعانية، وأخيرًا ساعدني جزء منها في إكمال روايتي الأخيرة: المهاد، والتي تأخرت طويلًا في كتابتها حتى صارت مكتملة كما رغبت لها أن تكون، كما أردت أن تعبر عن كوابيسي وفكرتي بخصوص عالم الأحلام وبالتكنيك الذي أردته وما كنت أعرف كيف سأهتدي إليه.

    ما تبقى في المدونة، ولم يحن موعد الاستفادة منه دسسته في المسودات بعيدًا، إني أواصل ترتيب الأشياء بحسب المسافة، ما يكون قريبًا هو ما يترتب عليه إجراءات في أيامي القريبة، ما أزيحه بعيدًا أدخره لأوقات مؤجلة. وأحب أن أغلب الودائع تنمو حتى تكون شجرة في عز احتياجي اللاحق، لأنه مثلما أبذر ما أعتني به وأجلس في ظلاله خلال وقتي الحالي، فإني أبذر ما يكفيه أن أعرف عن مكانه وأنتظره حتى يكبر وحينها أقطف ثماره.

    صورة 5: مقاومة الانتصار.

    منذ أول تدوينة هنا “كما لو أنه”، وحتى كتابة هذه التدوينة، تنبهت أن أكثر ما يطرأ عليه الحركة في الزمن الخاص بي مرهون بالعمل وركض أصابعي. في العمل مررت بأربع تجارب مختلفة، استقلت من قناة العربية في نهاية مارس 2016 بعد رحلة تجاوزت الخمس سنوات، بدأت بعدها العمل في صحيفة مكة حتى نهاية شهر أغسطس 2018، انتقلت إلى وزارة الحج والعمرة وعملت فيها لمدة سنة كاملة، ومع بداية شهر أكتوبر 2019 صرت ضمن فريق عمل وزارة الثقافة وحتى اللحظة. في تجارب العمل بالنسبة لي فإن أفضل ما تعلمته واختبرته كان استعدادي المستمر في الخروج في أي لحظة بمجرد أن تصلني فرصة تناسب معاييري حينها، أو أن تكون فرصة تحفز على الجراءة والمغامرة في الرهان على القدرة على خلق الفرق. وعلى هذا الأساس اشتغلت على أن أضع بصمتي منذ بداية كل تجربة، أن أتجاهل وأتخطى كل ما يحاول أن يحرف مساري أو يضلل طريقي، أن أصنع ما يثير الدهشة والحسد، وبالطبع كان متوقع أن أكسب صداقة الجيدين، والمبهج أنهم أغلبية، وبالمقابل كسبت عداوة السيئين، والمبهج أيضًا مع أنهم لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. عمومًا في كل تجارب العمل الجيدة بمجملها، والسيئة في بعض الأشخاص وبعض المواقف أنها فرصة للتعلم، لأننا مع الجيدين نتعلم كيف نكون أفضل، ومع السيئين نتعالى عليهم ونكون أفضل.

    صورة 6: خدعة حسية.

    في 27 أغسطس 2019 نشرت في حسابي تويتر ملاحظة بعنوان: عن التدوين وضرورة قص الكلام، وصباح الخير. “أحتاج مدونتي، هكذا تنبهت لصوت داخلي يخبرني بأن أكثر ما أفتقده وأحتاجه منذ فترة طويلة يتلخص في أن أمتلك مدونة من جديد. وقررت أن أكتب عن هذه الرغبة حتى تكون بداية للتفكير في خطوة جدية، للعودة إلى أيام قديمة من المثير أنه وبتذكرها عادت إلى ذهني ثلاثة مواقع، بداية من مدونة: استرخاء، المكان الذي تدربت فيه وكتبت وجربت فيه من أوائل عام 2001، وهجرته استجابة للمنتديات، وضاع كل شيء لأني ما كنت أعرف ضرورة تجديد الدومين وكل التفاصيل التقنية. ثم حصلت على هدية ثمينة وثابتة في قلبي، وذلك عندما حصلت على مدونة تقريبا في 2008 وسميتها: فلاح في المدينة، ثم بعد فترة تلاشت بسوء تعاملي مع أي ذاكرة خارج عقلي. أما المدونة الثالثة وكان عنوانها: آخر نقطة على حد المنفى، وأظنها كانت في 2013 فأعرف أي شعور كنت أحسه عندما قررت مسح كل شيء، لتكن المرة الأولى للتنازل عن كل التفاصيل باختياري. اليوم، وفي هذه اللحظة، وبسبب أشياء كثيرة أرغب في نشرها، وأشياء أرغب في كتابتها، أشعر بالحاجة من جديد للحصول على مكان، وفي الوقت نفسه أواصل الاحتفاظ بتقدير وافر لكل المدونين والمنحازين للمدونات”.

    كانت هذه الملاحظة تحايل على الحاجة للظهور، تمرير الظل إلى النور ليتأكد أنه محظوظ بالانزواء، بأنه مهدد بالتلاشي، بأن وجوده يحظى بالتقدير والأهمية ليكون أرض خصبة للودائع والأسرار وكل ما يفسده ضوء التلصص، نزهة الليل المؤقتة في حال رغب في تجربة الخروج في يوم مشمس. وهكذا تراجعنا أن والظل والمدونة وبقينا هنا.

    صورة 7: شرفة على الجنوب.

    هنا، أخبئ الكثير من الكلام، ربما ولست متأكدًا أن يأتي يوم وأنشره، لكنني أضمن أنني لا أفوت استخدامه وتقديمه بطريقة ما في قالب ما، أما ومن هذه التدوينة وما بعدها فإنه سيكون متاحًا لأن أتشاركه مع العالم، حتى تأتيني رغبة طرية بالتوقف عن الظهور هنا أيضًا.

    الآن، مستمر في التوقف عن تويتر، مفتون بأنه وبعد الكتابة أحب مواصلة التدوين، لأني أنجو بالكتابة وأتخفف بالتدوين وأحقق الكثير بالمواصلة. إنها الصورة الأخيرة، غلاف البداية في حال رغبت أن أكتشف الحكاية من النهاية.

     

  • كما لو أنه

    أفريل 30th, 2015

    في المدن الباردة نعتاد على هدر كمية من المياه بينما نترقب وصول الماء الساخن، كبرنا ونحن نتوقع أنه بعد اللحظات الباردة حد الجمود أن تأتي اللحظات الدافئة والسائلة، تربينا على انتظار حظوظنا الخاصة ونحن نرتعد من الجوع والحاجة.

    أجلس اليوم محاصر في حدود حياتي الباردة، أتلمس الوحشة في البلاط والجدران والساعة والنافذة والباب ومفتاح الشقة الجديدة، أفكر كم يلزمني من الوقت حتى أصل إلى حالة من الألفة مع حي “الريان” في شمال مدينة جدة، الحي الذي يستفز الهواجس بأنه يقع في منطقة جغرافية بين كوبري القاعدة والمجمع السكني لشركة بن لادن، والتي تبدو مثل منطقة شائكة، وأشعر بأن “الحمدانية” وما يقترب منها يليق به وصف المدينة الهاربة. أحس بكل ذلك بينما أشتعل من الداخل.

    استيقظت بعد منتصف الليل وأنا لا أتذكر متى غبت عن العالم وانغمست في النوم، ما أعرفه جيدًا أنني هذه الفترة متنازل عن التنبه إلى لحظتي الحالية، غارق وغائب في التفكير في أيام سابقة وأتذكرها وأتعلّم نسيانها، وخطر ببالي أن الوقت متأخر ولكن ولأني لا أخطط لشيء أو أنتظر أي شيء قلت في نفسي: الوقت في موعده الطبيعي، وضحكت بدون أن يرتد إليّ الصدى.

    وجدت شاشة الكمبيوتر ما تزال مفتوحة على صفحة “الوورد”، نظرت إلى العنوان في أعلى الصفحة: ست دقائق، ولم تكن مجرد ست دقائق، وحينها قررت أن أضيف العنوان الفرعي: سيرة أخطاء متعمدة. وقبل أن أتراجع رحت أنفذ رغبتي بأن يكون لي مدونة، ربما ولست متأكدًا أن هذه المحاكاة بالحصول على وطن افتراضي تساعدني أو تسرقني.

    بدأت بالكتابة هنا، صباح الخميس 30 أبريل 2015، وتعهدت بأن تبقى هذه المدونة حية ومحمية من تلصص العالم، وبعد وقت قصير قطعت وعدًا على نفسي بأن هذه استراتيجية الخمس سنوات القادمة، وفي نهاية أبريل وفي نفس التاريخ من عام 2020 سأجلس وأراجع حياتي الباردة مجددًا، وحينها يمكن أن ينبهني الماء الساخن بينما تستعر أطراف أصابعي.

    في الواقع عندما كتبت كلمة “استراتيجية” استخدمتها على سبيل السخرية، لأني ولا مرة تعاملت مع حياتي بأنها متاحة لأن تكون على قياس الخطط، أنا أعيش وفق اللحظة، مأخوذ بالماضي، مشغول بالمراجعة، مفتون باليقين أن ما فعلته هو ما كان يلزم حدوثه، لأني المحظوظ بمصادفة الاحتمالات والبدائل في وقت لاحق، وما عادت هذه الطريقة تناسبني ولا تعجبني.

    تمددت على الكنبة الحمراء، وحيد مع الكلام، مبعثر، وكل شيء يخصني داخل مجموعة من الصناديق عليها علامة: قابل للكسر، أراقبها ويكفيني الآن وضع شريط لاصق مثل تلك التي استخدمناها أيام حرب الخليج حتى لا يتسرب الخوف إلى منازلنا، وحتى لا يتسرب المزيد من السخط إلى قلبي وضعت الصناديق فوق بعضها، وهذا أقصى ما استطعت التحايل به على الصخب في أعماقي.

    تركت الكمبيوتر على حاله، صفحة كتاب “ست دقائق” تحرضني على مواصلة الهرب إلى أحضانها، أن أدس التفاصيل والأفكار والشعور وما يخطر ببالي وما أتذكره، ما أرجوه وأخافه وترددت طويلًا في التصريح به ومواجهته، وعندي من السخاء والشراهة أن أقول كل شيء حتى لا يعود يؤذيني إن توقفت بعدها أن أصمت للأبد.

    حزمت حقيبتي، التقطت أشياء مبعثرة ورميتها بعشوائية وأغلقت السحاب الجانبي، الفوضى أكثر ما يعبر عن حياتي الباردة الحالية ويميزها. غفوت أو تظاهرت بأني أفعل، رتبت في خدري أن أذهب إلى العمل في “بيوتات الأعمال” على طريق الملك حيث مكتب قناة العربية عند السادسة صباحًا، أن أنجز بعض المهام وأقلل أكثر من ثرثرتي مع كل أحد، وحتى وإن كنت قليل الكلام فإن رغبتي تتكاثر بالصيام عن التواصل مع غيري.

    داهمني جوع مألوف لأشياء كثيرة في الحياة، ولأني عاجز عن إخراسه بالكامل اخترت اشباع جزء منه، ذهبت إلى المطبخ ولم تكن المسافة بعيدة لدرجة استخدام مفردة الذهاب وكأنها رحلة طويلة ولكن خطواتي ثقيلة، أخرجت علبة “إندومي” وبدأت في تحضير وجبة سريعة لشخص يعيش في زمن بطيء.

    وعلى الرغم من فشلي المؤقت في السيطرة على مشاعري، إلا أنني ما زلت بارعًا في الكتابة بأية طريقة وعلى أي شكل وفوق كل ظرف، وفي إعداد “إندومي” في غاية اللذة، وبعد أن صارت الوجبة جاهزة، وضعت علبة الشطة والبيبسي وحملت الصحن عائدًا إلى مكان جلوسي وجمودي.

    بعد خطوات وربما بسبب خلل في التركيز أو علة في ذكائي الجسدي، رأيت علبة الشطة تميل وكأنها تتأهب للسقوط، وفي محاولة لتفادي هذه المشكلة انزلق كل شيء، الإندومي والصحن وعلبة الشطة والبيبسي، لحظة وصار المكان مفروش بالزجاج وباللون الأحمر. واقف وأطالع المشاهد، ترعبني الأشياء القابلة للكسر، تؤذيني الأشياء الحادة، وأفكر أنه أحيانًا وبدافع الحماية من وقوع أضرار أكبر ساهمت في تفاقم المشكلة، ومن دون أن أصرخ، قلت ببرود:

    أخطاء متعددة.

    رغبت بشكل خاطف الخروج من هذه الحياة، وإنما ولأنها حياتي ولا أملك غيرها تراجعت وجلست فيها، ساعتان أو أكثر لم أميز الوقت وأنا أنظف، ولو أن العالم لن يشمت بي كنت ألقيت المكان كله بعيدًا، تخلصت من كل شيء دفعة واحدة.

    رجعت إلى جهاز الكمبيوتر، جائع وبارد وغاضب، فتحت “الساوند كلاود” على أغنية حبيبي طلال سلامة “شكواي”، ترددت في رفع الصوت، تركت الأغنية تستمع إلى نفسها، ما رغبت في التدخل في شيء، تصفحت كتاب “ست دقائق” وأنا أقول: لم أصل للنهاية بعد. ولن.

    عدت للكتابة، وبمجرد القول عدت للكتابة يبدو وكأني هجرتها أو تخليت عنها مؤقتًا، وفي الحقيقة فإن كل ما أنشغل به منذ زمن يختزل في الركض بأصابعي فوق لوحة المفاتيح، كنت أركض مستعينًا بالكلمات إلى أماكن أعرفها، آخذ ما يصادفني وأجمع ما يخصني وأمسح على وجع ينتظر لمسة من غيري، أطوف حول ما ظننته لن يفلت من يدي ولن يهرب من صدري ولن يأتي يوم ويفر من قلبي، أضع النهايات لدروب ما خطر بشعوري ولا مرة أنها لن تعود مخصصة لخطواتي، ولعمري.

    تأملت الساعة في هاتفي، في الكمبيوتر، على الجدار حيث يمكن أن تعلق ساعة حائط، وما عرفت على أي مكان يفترض أن أضبط مواعيدي، وإلى أي جهة ستشير بوصلة حظوظي، وما كنت أشعر بالخسارة أو الندم بقدر ما أحسست بالشفقة على من كنت رصيدهم ومكاسبهم، وصرت ضمن خسائرهم وبقيت معي، رأس مال واستثمار وحصة وافرة من ودائع الخلاص، والنجاة.

    أكتب في ست دقائق كل شيء، ست دقائق تكفيني لقراءة نص كلفني يوم كامل من التفكير والتذكر والتحسر، ست دقائق وقتي القياسي لاحتمال مكالمة، ست دقائق منذ تكبيرة الإحرام وحتى التشهد، ست دقائق من بداية الحكاية حتى تلاشيها، ست دقائق من الرغبة وحتى الانطفاء، ست دقائق من الدوران في الحلقة نفسها لتحقيق عشر لفات ضمن خطة ساعة المشي، فيما لو كنت أرغب في تجربة ليونة الحذاء الجديد، ست دقائق تخبئ داخلها معجزة وسر الحياة والتجربة.

    أتنقل بين صفحة المدونة ومسودة كتاب ست دقائق، أضع الأفكار الحساسة والحادة في صفحة خاصة في المدونة مثل أسلحة أعرف أنني لا أرغب في استعمالها، وإنما من أجل التهديد في حال تمرد سفلة العالم وتحرشوا بمبادئي، أكدس ما أريده أن يبقى ضمن قائمة الأشياء التي أقولها لنفسي واسميها: أنانية ضرورية، أضع تنبيهات احترازية للرجوع إليها في حال تغافل عقلي عن حماية قلبي، أعلق قصائد تخص رغبة الشاعر فيني ولن يعرف عنها أحد غيري، وأتلو دعوات تخص أمنيات بأن تتوقف الأشياء التي حدثت بأن تحدث مجددًا.

    أغفو وحاجتي لاكتشاف طريقة وضع منبه للنوم أكثر من احتياجي لتحديد وقت للاستيقاظ، لأني أصحو بسبب كوابيسي، بسبب الحاجات البيولوجية، بسبب اهتزاز الهاتف، وبسبب حرارة مشاعري، بسبب أقساط البنك وبصمة الحضور للعمل، بسبب ازدحام الناس في أحلامي وأنا وحيد مع أحلامي، بسبب الكلام الذي يتكدس مثل العرق وأجففه بالتنبه، ولاحظت أن عندي أسباب كثيرة للاستيقاظ، دوافع إجبارية للنوم، ولا يأتي بسهولة.

    لاحقًا غفوت، فيما بعد استيقظت، وأول شيء قلته في نفسي: ما زال بوسعي النوم في النهاية. طالعت المكان، مستمر في اليقين بأن هناك بعيدًا أشياء كثيرة تتغير، وهنا أيضًا أشياء قليلة تتغير، ولا يهم معرفة ذلك الآن، سأتنبه عندما تصير واضحة لأني أكره التفتيش وأقدس الوضوح.

    تحممت، لم انتظر وصول الماء الساخن لأني رغبت أن يبرد السعار الملتهب في عروقي. خرجت ببطء وشعور بداخلي ينطفئ، ومنذ فترة كان هذا أفضل ما يمكنني الإحساس بالرضا بسبب حدوثه، ابتسمت، ولاحظت كم أنا محظوظ لأن هذه الابتسامة تخصني، أتذوقها ويمكن دائمًا التلذذ بملمسها. وكان يكفيني أن ينطفئ شيء ويترمد.

    خرجت من المنزل، الساعة 8:37 صباحًا، ولاحظت أن الممر مظلم وقاتم وتوقعت الخلل في رؤيتي، لكن وبينما أنزل الدرج بدأت في اكتشاف أنها تُمطر، وحينها أحسست بغزارة أن الأمر يخصني، البلل يتسرب إلى داخل صدري وعروقي وعظامي، وكان بوسعي الركض لو أنني رغبت في أن أستغل هذه الفرصة للخلاص.

    استغرقت وقتًا أطول من المعتاد في مشوار العمل بسبب تجمع المياه وانغماسي في الارتواء، وصادف أن عملي في حي الشاطئ القريب من البحر مناسب لمعايشة تجربة الإنصات لحوار النعومة، حديث الماء للماء، مشهد الموج والسماء تُمطر، سرقني من كل شيء.

    تأملت المد والجزر، المطر وهو يؤدي مهمة العودة إلى العائلة، العذوبة تتمازج مع الملوحة، وحينها تأكدت أنه وعلى الرغم من انتشائي بسبب الذين يغادرون قلبي، فإن جدة ستظل حبيبتي وفي روحي وجروحي.

    نظرت إلى الساعة حتى أتأكد من التوقيت، وثقت اللحظة في ذاكرتي، ودون تخطيط اتخذت دفعة واحدة جملة من أهم قرارات حياتي وأكثرها حدة وضرورة، وبدأت في تدوينها في الملاحظات حتى أطمئن أنني فعلتها، أخيرًا.

    ذهبت إلى العمل، لم يعرف أحد غيري أنني في هذا اليوم نجوت، لأنه لم يكن يعرف أحد عن ورطتي، تنهدت، تنفست الحرية، وأذهلني كيف أنه في يوم واحد تسارعت حياتي بشكل يستحيل استيعابه، ولو أنه لم يتغير الكثير، لم تحدث قفزة أو حركة تستحق وصف الانتقال إلى أبعد مما اعتدت أن أجدني بداخله، ولكن رحبت بالمبالغة.

    وبينما أنا في غمرة الشرود، وردني اتصال من شخص لم يصل إلى مرتبة صديق وتجاوز أن يكون مجرد زميل، طلبني تعليق على شيء يعمل عليه، وبعد أن أخبرته برأيي العادي، سألته مباشرة عن شخص لمع في ذهني مثل خطيئة، وربما بسبب المفاجأة وجدته يخبرني بشيء تمنيت من أعماقي أن اكتشفه، وصار يكفيني أن أعرف أننا نعبر أنا وهو من فوق الذنب نفسه.

    طلبت قهوة تركية لا أظن أن في العالم من يصنع مثلها، ويبدو أن شيئًا يتجاوز المكونات الأساسية يدخل في تحضيرها، ربما شعور بالتضامن أو فكرة تخص التجاوز، لم أميز ولكنها كانت أشهى مرارة أشربها في حياتي.

    أغلقت شاشة كمبيوتر العمل، أكملت هنا ما أريده أن يبقى محفوظًا وحيًا باستخدام جهازي المحمول، حذفت أشياء كثيرة تمتمت بها قبل أن أنام، دسست بعض الأشياء لتكون ضمن كتاب “ست دقائق”، لأني قررت أنه صار الوقت مناسبًا أن أزاحم العالم بكتفي مرة ثالثة، بعد أن فعلتها في كتاب “أرواح عارية” في يناير 2010، وكررتها في رواية “بورتريه الوحدة” في فبراير 2011، ويروقني أن أفعلها مرة ثالثة، وحتى وإن كانت الأخيرة، وكم سيكون مذهلًا إن حدثت في شهر مارس لأني أحب أن أحتفي بميلادي وكأنه يحدث في كل سنة كما حدث أول مرة، بالكتابة يمكن وفقط مواصلة التخلق.

    شربت آخر رشفة من القهوة، وأضفت للقرارات السابقة التزام بأن أحفظ السر الأخير الذي عرفته بسبب اتصال حتى عن نفسي، لكنه سيكون منبه خلاصي في حال رغبت في التوقف عن مسايرة العبث، ومع أنه شيء تافه لكنني رغبت في تراكم المزيد من التفاهات في حياتي الجادة، تطعيم أيامي بالسذاجة والغباء.

    من هاتفي، تصفحت تويتر، أحسست بشعور جيد لأني ما زلت بعيدًا عن الضجيج الخادع في مظهر الشهرة الزائف، وبيني وبين نفسي رحت أذكر نفسي بأن هذا الحساب هو الرابع في تويتر، وأنه في لحظة ما يجب أن افعلها مجددًا وأتوقف وأبدأ من الصفر، وألا أتوقف عن القيام بالأمر. ومهما كانت الأسباب والمبررات الخاصة عندي متغيرة، فإنها بالمجمل تفسر دافعي في أن أبقى لنفسي أكثر مما أكون للعالم. وهذا ما فعلته وأفعله منذ عرفت الباب السحري المسمى: الإنترنت. في المنتديات سابقًا، في الباث، في تويتر، ومع رقم هاتفي في مرات قليلة، ومع الناس في تجارب معدودة، خاصة وإذا ما أحسست بأن رغبة التخلي تتسرب إليهم. على الدوام كنت أحس بالأشياء قبل حدوثها، ليست السيئة بل الجيدة، وأنا أحب معاملة ما يظنه غيري سيئًا بأنه جيدًا، خاصة وأنني لست الآخرين.

    لملمت أشيائي، عند الساعة 11:40 صباحًا كنت أردد دعاء السفر متجه إلى الجنوب.

    توقفت عند محطة الحجاز على طريق الساحل بعد أن صارت جدة وراء ظهري، توقفت وأنا أتحسس أن الحياة نبهتني أكثر من مرة أنني صرت بعيدًا، والآن تأكدت. واصلت طريق سفري، وحيد من كل شيء ومعزول عن كل أحد، محظوظ بصحبتي، بأني معي، بأنه يغنيني أن أجدني كلما احتجت لأن أستند على من أثق بأنه لا يخذلني، ومطمئن على الذين ما عدت معهم بأنهم يعيشون معهم، بأن في ذاكرتهم وقلوبهم أشياء جيدة تخصني وتساعدهم لأجل أنفسهم. مبتهج أنه لا أحد غيري وغيرهم سيعرف بشكل كامل الذي كان وسيظل بيني وبينهم، متيقن بأنه مستحيل على التخمين اكتشاف من أعنيهم، لأني بارع في مراوغة العالم.

    والآن، أنا في الديرة، في القرية، أجهل الكثير مما أعرفه، ضائع إنما مدرك لضياعي، ساخط لأنه يجب أن أجرب لمرة واحدة على الأقل أن أغضب من كل شيء وعلى الكثيرين، بيني وبيني مسافة سأردمها وأقلصها بالكتابة، مسافر وعابر وكل الأماكن محطاتي، متعهد أن أعيش الحكاية حتى النقطة.

    أستعد للنوم، أراجع ما كتبته ويذهلني كم يبدو حقيقًا وصادقًا وصادمًا، كيف أن التخيل قادر على نسج أوهام متماسكة وفي غاية اللذة. اتصل على صديقي “عبدالرحمن”، أخبره بأني نجحت في تمرير خدعة جديدة، جسدت حرفيًا فكرتي عن “الأخطاء المتعمدة” باستخدام 2015 كلمة، ونضحك معًا.

المدونة على ووردبريس.كوم.

 

تحميل التعليقات...
 

    • اشترك مشترك
      • سيرة أخطاء متعمدة
      • ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
      • سيرة أخطاء متعمدة
      • اشترك مشترك
      • تسجيل
      • تسجيل الدخول
      • إبلاغ عن هذا المحتوى
      • مشاهدة الموقع في وضع "القارئ"
      • إدارة الاشتراكات
      • طي هذا الشريط