
في يوم الاثنين 22 يونيو 2020 وقبل أن يصل الفجر استيقظت، ومن داخل لحظة الخدر والنعاس سحبت هاتفي ولم أفتح الملاحظات مثلما يحدث عادة عندما تداهمني فكرة تنبهني وأوثقها، وأعود أتذكرها لاحقًا مثل حلم لست متأكدًا أنه حدث فعلًا، ولكنه كل مرة يكون حدث فعلًا. هذه المرة فتحت “التليقرام” واخترت الرسائل المحفوظة باعتبارها مستودع الذاكرة الخاص بي، وبدأت في التسجيل: أهلًا أنا محمد حامد وأتوايق عليكم من خلال تدوينة صوتية، ثم انهمرت في ثرثرة مدتها 11 دقيقة و48 ثانية، ضغطت على زر الإرسال وعدت للنوم.
عندما استيقظت واستجمعت وعيي سمعت التسجيل، ابتسمت وشعرت بأن ضحكة يتمازج فيها الجنون مع الرغبة تسري في عروقي، الأمر يشبه أمنية بعيدة أراقبها عندما أتذكرها من مسافة التردد، أراها وأحسها قريبة بالطريقة التي أتسأل فيها لماذا تأخرت في تنفيذها طالما أنها ممكنة وتعني لي شيئًا، أعيشها لحظيًا وأجدها تستحق أن تصير واقعية أكثر، أقول فيها ما أشعر أنني بحاجته ولكن لم أتيقن مسبقًا من الكيفية التي يمكن اختيارها للتصريح به، أعيد فيها التفكير في كل ما ظننته محسومًا وبديهيًا بأن أفترض مصادفته مجددًا لأول مرة، أن أتأمل مطولًا ما يليق به نزع الجمود والصلابة عن قناعات تشكلت في غفلة من العمر والركض، أن أتوايق على عقلي ونناقش بهدوء ما يفكر به وكيف يصلني، أن أعيد ترتيب ما ظننته لكثرة ما اعتدته أنه مخلوق على هذه الهيئة، أن أبحث عن زاوية جديدة للنظر إلى الأشياء التي تتشكل بداخلي على صورة مفاهيم أصيلة.
أتوايق، مفردة تعني النظر من مكان مرتفع أو من وراء الباب المردود، في اللهجة نستخدمها للتعبير عن النظرة المستكشفة الخاطفة، بالنسبة لي فإن مشهد الموايقة يستحوذ على انتباهي بوصفه حالة من التوجس والحذر والجراءة، وكثيرًا ما تخليت الربكة والتوقع التي يعيشها الشخص أثناء لحظة اطلالته، ولكن هذه المرة قررت أنني لن أتخيل وسأعيش التجربة. سأقف على مقربة مني ومن افتراضاتي، أسجل ملاحظاتي ببطء وتروي عن منبت الدوافع، أذهب إلى ما يحرضني على انتقاء ما أرغبه وما أتبناه، أفهم كيف أختار ما أفكر فيه لأني أعرف ما أفكر فيه وأجهل كيف انتقيته، أفسر ما يثير فيني الحماسة وما يحاول عرقلتي بحجة الملل، أنبش في أعماق ذاتي وعقلي عن الطريقة، أكتشف الكيفية والسببية لأني أريد أن أكون واعيًا بالإجابة على سؤالين: كيف يحدث ما يحدث؟ ولماذا يحدث ما يحدث؟
في أتوايق حاولت فك شفرة العملية الذهنية، أن يصير بحوزتي والآخرين فرصة امتلاك مفاتيح أبواب تخص التفكير، لأنه العتبة الأولى للسلوك والاختيارات والإبداع والجنون. منحازًا لأن أقول ذلك بطريقة يجب أن تكون مدهشة، ويجب أن تكون محمية من الرتابة والجمود والتنظير، لذلك تأملت ودسست قلبي ومشاعري في كل فكرة، واخترت أن تكون الحلقات موزعة بين معنى المرة الأولى والأهداف، كيف ننظر إلى أنفسنا والفرق بين الإنجاز والتملك، تفتيت المنطق وملاحظة الخيارات والاختيارات، عن هوس التغيير والأكثر فاعلية بين الخطة والروتين، وحشية المزاج وضرورة التجاوز، مهارة التفكير داخل الصندوق وخدعة الحياة البديلة، وأخيرًا غواية التفاصيل الصغيرة.
وتنبهت منذ البداية أنني عندما أتوايق على نفسي وعقلي فإني أتوايق على العالم، لأني أنا والعالم نتشابه في التركيب ونختلف بشكل بسيط في استخدامنا لقدراتنا وأدواتنا.
كيف صنعت بودكاست أتوايق؟
البحث أولًا: من جيد الحظ لا أعرف عوالم البودكاست، وأجهل الطريقة التي يمكن من خلالها بناء منتج ينسجم مع هذا القالب، وبدأت في البحث. ويمكن بسبب ضعف أدواتي في البحث لأني صرت أعرف أن العثور على الأشياء لا يكفيها الرغبة في الوصول إليها، إنما والأهم الكيفية التي نبحث ونحدد الطريق الذي سنصل من خلاله. في البحث نتوغل في كم هائل من المعلومات ومن هنا تتشكل رحلة الضياع والتشتت، صحيح أنه إيجابي أحيانًا أن نصادف أشياء لا نعرفها ولا نخطط لاكتشافها ولكننا نجدها، ولكن في مرات كثيرة فإننا نستغرق وقتًا طويلًا حتى نلمس طرف الخيط الذي يقودنا إلى ما نريده. وعلى هذا أعد البحث مهارة في غاية الأهمية، قابلة للتعلم وتوفر الوقت والجهد، تختصر الكثير من الخطوات.
الضياع ثانيًا: المشكلة في غالبية المصادر التي نظن بمجرد اكتشافها أننا أمام منجم وكنز، أننا نلاحظ أنها تنحرف عن المقصود، تقدم لنا معلومات عن الشكل النهائي والمنصات ولا تساعدنا بمعرفة الطريقة، الأمر يشبه أن تبحث عن طريقة تحضير قالب كيك بمكونات محددة ولكن تجد كل شيء عن طريقة التزيين والفوائد ولا تجد الجوهر والأساس: طريقة التحضير. لذلك في لحظة ما شعرت بأن مشروع البودكاست مهدد بالفشل أو التأجيل، إنما وبفضل صوت داخلي يرفض التوقف، يعاند ويقاوم، قررت أن أبتكر طريقتي التي يمكن أنها معروفة وبسيطة ولكن عليّ أن أصل إليها بنفسي.
الركض ثالثًا: عند بناء بودكاست أو ربما أي مشروع فإن أهم خطوة تكون وضع مخطط، رسم مخطط يعني وجود خريطة، رسم طريق يعني حتمًا وجود طريقة، ومن هذا المنطلق أفترض دومًا ضرورة أن تكون البداية بالمخطط والطريق. في بودكاست أتوايق وجدت أن الأولوية تتعلق بتحديد نقطتين: الموضوع والقالب. الموضوع باعتباره المحتوى والجوهر، القالب باعتباره الشكل والوعاء، الموضوع بوصفه المغزى والمعنى، والقالب بوصفه الإطار. بودكاست أتوايق موضوعه الذي رغبت أن يكون عليه يتلخص في تقديم أفكار تأملية عن مفاهيم أساسية طالما تعاملت معها من زاوية أحادية، وصار ممكنًا النظر إليها من زاوية جديدة، وجهة نظر غير معروفة بالنسبة لي ولكن بالغوص فيها وجدتها مثيرة وملهمة، تنبهني إلى نسبية كل الأشياء، وبشكل أدق أن هناك احتمال آخر يتطلب فقط التواجد هناك لرؤيته.
الحماسة رابعًا: غالبية المشاريع العظيمة التي توقفت أو لم تظهر إلى النور لم تكن مشكلتها في أنها ليست جديرة كفاية أو أنها منقوصة الدهشة، ولكن بسبب أنها تبدأ بحماسة كبيرة وسرعان ما تخفت أثناء الخطوات وتبرد حتى التوقف. في بودكاست أتوايق ومثل ذلك في تجارب عملت وأعمل عليها، أدخر الحماسة للطريق، أوزع الجهد بين البحث والكتابة والمراجعة، فإذا مللت من البحث بدأت في الكتابة، وإذا تعبت من الكتابة ذهبت إلى اكتشاف التجارب والاستماع إليها، وإذا شعرت بالاكتفاء عدت لجوع الاكتشاف وفضول أنني مهما عرفت ما زلت أرغب في أن أعرف، وإذا تمهلت في البداية وتعجلت في النهاية عكست الطريقة وبدأت من النهاية رجوعًا إلى البداية. الأساس أن أتحايل وأراوغ أصوات الجدوى والبرود بدوافع التنقل وتغيير التكتيك.
المثالية خامسًا: لا يوجد منتج مثالي من أول مرة، ولكن يوجد فكرة مثالية. لذلك أرفع سقف الانتقاء والاختيار في تحديد الفكرة لأنها يجب أن تكون الشرارة مدهشة وخارقة بالنسبة لي أولًا، المعالجة وتحويل الفكرة إلى منتج هي عملية تركيب وتجريب، هي رحلة من التعديلات والتقديم والتأخير والتغيير، لأنه يجب أن تظل هناك مساحة كل مرة لإضافة أو اختزال أو انحياز لمفردة أو جملة، وحتى بعد النهاية ستبقى هناك ملاحظات على المعالجة وليس على الفكرة. الأمر يعني أن بناء المنتج خاضع للتطوير، ولكن إذا تحققت معايير الجودة التي يختارها الشخص بينه وبين ما يعمل عليه فإن هوس المثالية يعتبر عائق ومضلل. دومًا مهما وصلنا إلى نتيجة علينا أن نحب أن تتقد فينا رغبة أن يكون أفضل، ونعمل مجددًا على منتج جديد.
الغزارة سادسًا: إذا كان بوسعك أن تركض مسافة كيلو لماذا تركض مسافة 100 متر؟ وبالضبط إذا كنت تقدر على إنجاز عشرة منتجات لماذا تكتفي بمنتج واحد؟ وإذا كانت لياقتك ومرونتك تساعدك على كتابة عشر صفحات لماذا تعطل نفسك وتفسد قوتك بأن تكتب صفحة واحدة؟ على هذا الأساس والمبدأ واصلت تمرين ذاتي ووقتي وخطواتي، ولاحظت أنه عندما رغبت في تنفيذ مشروع بودكاست أتوايق فإنه يمكن لي نشر حلقة أولى والعمل على بقية الحلقات بتسلسل زمني لاحق، ولكن تجنبًا لمشكلة الحماسة أعلاه، وحماية من رهن نفسي للتفاعل وآراء الآخرين وحماستهم، والأهم لأني أجيد التركيز والانغماس في الحالة والفكرة، قررت أن أعمل على إنجاز المشروع كاملًا، وحددت 12 حلقة بمتوسط خمس دقائق، وبما يعني تقريبًا ومجازيًا ساعة كاملة مدتها خمس دقائق، وانتهيت إلى 14 حلقة احتفظت بواحدة منها ولم أنشرها وسأذكر السبب في النقطة التالية. الأهم أنه للمحافظة على وحدة الشكل فإن إنجاز المشروع كاملًا دفعة واحدة يروقني، يناسبني أن أبذر الحقل بالقمح في الوقت نفسه.
العفوية سابعًا: في بداية التفكير في إنجاز بودكاست أتوايق كنت أميل للعفوية، أن أحدد العناوين وأثرثر مثلما يحدث بين صديقين. وبعد التجربة الأولى بيني وبين نفسي بدأت في تغيير فكرتي، وجربت كتابة محاور الحلقات لتكون التجربة مزيج من التفكير المسبق والارتجال، لكن في كل مرة وجدتني أنتبه لنقطة وأفوت نقطة ثانية، وأستطرد أحيانًا ويظهر معي أشياء جديدة يحتمل أن أنساها في حال اضطررت لإعادة التسجيل. في النهاية استقريت على قرار أن أكتب الحلقات كاملة، ولأنه مع اللمسة الحميمة في العفوية وفرصة التقارب والوصول، إلا أن خط الأفكار الذي أخترته في بودكاست أتوايق يفرض التنبه لكل كلمة ورسالة. مع ذلك لم أتنازل عن رغبتي في أن أسجل حلقة بشكل مختلف يعتمد على العفوية والارتجال، الحلقة التي ترددت كثيرًا في نشرها كان السبب في أنها تبدو مثل قصيدة بالمحكية واللهجة وسط ديوان بالفصيح، ويمكن أن تكون لاحقًا بداية مشروع منفصل، لأنه من الجيد أنه عندما نصل إلى النهاية ننتبه أننا وضعنا علامة نعود إليها ونبتدئ من عندها مشوارًا جديدًا، ولأنه لم ينته الوقت والفرص، وأخيرًا لا مانع من الاحتفاظ بشيء صغير لأنفسنا قبل أن يصير يخصنا ولكنه ليس معنا ولنا وحدنا.
التركيز ثامنًا: خلال الركض والبناء والانغماس في العمل يصير ما يشبه فتح نوافذ كثيرة ومسارات عديدة، وفي لحظة ما يجب أن تكون متأخرة تأتي مرحلة تجميع الشتات ولملمة ما تناثر وما ابتعد وما طرأ. وهنا أراجع ما كنت نويته من البداية وإلى أين وصلت، أرتب الصورة بعد أن أكون ابتكرت التفاصيل، أفرط بكل ما يمكن أن أعبر عليه ولا يشدني، أتخيل وجود الآخر الذي يجب أيضًا أن يأتي متأخرًا، أجلس هناك معه وأنظر وأتأمل كل شيء من زاويته، ومثلما اكتملت الصورة عندي أعمل على أن تكتمل عنده تدريجيًا، لأنه أحيانًا ما يقلل من فاعلية ما نتشاركه مع غيرنا يتمثل في أننا نفترض أنه يكفيه أن يصل إلى ما وصلنا إليه، مع أنه من الجيد لنا معًا أن يعيش ما حفزنا ويرافقنا في رحلة بحثنا ويكون معنا عند وصولنا، وهكذا لا يلمس النهاية وإنما يعيش الحكاية.
التسجيل تاسعًا: بعد أن أنجزت كتابة الحلقات الـ13 كاملة، لم أتعب في تحديد الاستوديو المناسب لتسجيل الصوت، وتوقعت أن ساعتين كافية لتسجيل الموسم كاملًا مع افتراض مسبق للحاجة لإعادة بعض المقاطع أو الكلمات، تدربت على النطق خلال يومين أو ثلاثة بشكل متقطع حتى شعرت أنني وصلت إلى مرحلة الإتقان. اتجهت يوم السبت 7 نوفمبر 2020 عند الثانية ظهرًا حيث ينتظرني المهندس يوسف إبراهيم، الشخص الجميل والبارع، مستعد ويحاصرني الارتباك، لا أعرف كيف سأقول كلماتي، حائر هل ستظهر كما أشعر بها في داخلي أو أنها ستبدو جامدة وكأنها لشخص آخر، متذكرًا رغبتي في تجربة أن أوثق كلماتي بصوتي، أن أقلص المسافة بين ما أكتبه وما أتحدث به. وسبق وسمعت كثيرًا كلماتي بصوت غيري، رأيت ولمست وتذوقت نصوصي في تقارير تلفزيونية وبرامج وعلى منابر احتفالات رسمية، وصلتني من أصدقاء ومن أشخاص لا أعرفهم ولكن عرفت كلماتي وحان الوقت لأن أكون أنا وما أجيده في المكان نفسه. عندما وصلت وسألني الصديق يوسف إبراهيم عن معاييري وتصوراتي، أخبرته ببساطة أنني أريد أن أكون أنا، أن أظهر على حقيقتي، أن يكون إحساسي وارتباكي حاضرين معي، أن أكون بعيدًا عن محاولة تمرير رسالة بأني بارع في الإلقاء وماهر في الثرثرة مع الميكرفون، أن أحقق درجة لا تقل عن خمسة من عشرة ولا تتجاوز السبعة في سلم الجودة. وعندما دخلت غرفة التسجيل المعزولة، وضعت السماعات على رأسي وتأهبت لأن أنصت لنفسي، بدأت في البحث عن النبرة التي أحب أن أسمعها. لم أكن متطلبًا مثلما هي عادتي وطبيعتي التي أحب أن استمر في المحافظة على وجودها فيني، ولكن اكتشفت أن آخر مرة قرأت بصوت مرتفع وجهوري كانت ربما قبل عشرين سنة في صفوف المدرسة أو على المسرح أو في الإذاعة المدرسية ومسابقات الخطابة. كنت أخوض تجربة تشبه ما يشعر به لاعب توقف عن اللعب منذ وقت طويل، وعاد للملاعب ليركض في مباراة اعتزاله. بعد ساعتين لاحظت أنني وبصعوبة أنجزت تسجيل سبع حلقات، لقد استغرقت ضعف الوقت الذي افترضته مسبقًا، ولكن قلت في نفسي: ضعف الوقت يبدو رقمًا قياسيًا لشخص يخوض التجربة أول مرة. وبالفعل كانت أول مرة بكل تفاصيلها وجوانبها. خرجت ومعي موعد للرجوع في الغد لإكمال بقية الحلقات، ولم أشعر بالرضا أو الخيبة، كل ما أحسست به يتلخص في أنه مر وقت طويل لم أستخدم فيه صوتي بشكل جيد، ونية معلقة إلى حين سماع التسجيلات وبعدها يكون القرار، قرار بأن أعيد التسجيل أو أن تحدث مفاجأة ويكون ما يصلني غير ما أتردد عن تمريره للعالم. في مساء اليوم نفسه سمعت أول حلقة، ابتسمت مثلما حدث يوم الاثنين قبل أكثر من أربعة شهور عندما رغبت بشكل جاد وعملي أن أنجز مشروع بودكاست أتوايق، أحببت عدم ظهور أي تحسينات، وأنه صوتي فعلًا الذي أعرفه ويعرفني. في صباح اليوم التالي “الأحد” وصلت مبكرًا ومتأهبًا للجولة الثانية من التسجيل، ساعتان حتى أنجزت الحلقات الـ6 المتبقية، وأخيرًا مع الحلقة المخصصة للعفوية والارتجال.
الوصول عاشرًا: يومان وصار الموسم كاملًا وجاهزًا، لوحة الغلاف والخلفية مكتملة بطريقة مدهشة ومتوقعة من الرسامة المبدعة: سامية الروقي. الهوية الموسيقية جاهزة بمباركة الصديق ودليل العمر والموسيقى: سالم العمري. وبدأت حينها في العمل على رفع الحلقات في مختلف المنصات، في الساوند كلاود حصلت على مساعدة المذهلة: آواز، في منصة آبل بودكاست وقوقل بودكاست استغليت صديقي وحبيبي والقريب دومًا: محمد قينان. تحمست للظهور في العلن بمشورة الرفاق: ماجد عبدربه، أحمد الخضر، أنس عبدالرحيم، سارة باحليوة، عبدالرحمن الشمراني، علي بن مسفر، أحمد الشمراني. وكان معي مرشدًا ومعلمًا في ضبط النحو واللغة العبقري: جمال سلات. ومن دون تخطيط كان يوم الأربعاء 11 نوفمبر 2020 تاريخ مزاحمة صخب العالم بصوتي. في اليوم نفسه وضعت اللمسات الأخيرة على هذه التدوينة، ورأيت أنها ستكون الجزء الأول، في حين أن الجزء الثاني من التدوينة سيكون مخصصًا للنصوص المكتوبة وروابط الحلقات للاستماع. وقررت أن تبقى في المسودات مثل الكثير من التدوينات، ولكن هذه تحديدًا أظنها تستحق أربعة أشهر على الأقل من الانتظار حتى أكشف عنها، ومبرري ودافعي أن يحظى صوتي بفرصة أن يعيش تجربة الحضور بدون كلماتي.

على هامش التجربة:
1 البحث هو أول فكرة: لأن الفكرة هي الخطوة الأولى والمحفز الأكبر، أتوايق رحلة تأملية بأسلوب سردي، تناولت فيها الأفكار التي أظن قبل العالم أنني بحاجة توثيقها والإنصات إليها واليقين من وجودها وليس فقط افتراضها، اختبارها واكتشافها والعودة متى ما رغبت للجلوس في ظلالها.
2 ابتكار الأسلوب: ما بين الخطوة الأولى والثانية هناك مسافة صغيرة لمعرفة كيف سيبدو الطريق والركض والقفز، وفي مرات لن نعثر على هبة التعليم المجاني من العالم، وبدلًا عن الانشغال بالمواصلة من حيث انتهى الآخرون يمكن لنا أن نصنع الطريق. والأهم أني علمت ودربت نفسي أنني إذا لم أجد الطريقة ابتكرتها، وعندما أبتكرها سأعمل على أن يعرفها العالم.
3 الخطة: موضوع وقالب، إنها الخطوة الثانية في بناء أي منتج، مدة الحلقات وعددها، الموسيقى والمؤثرات الصوتية، البداية والقفلة في كل حلقة، ولاحظت أن الدقيقة الواحدة صوتيًا تتضمن 100 كلمة، لم أعرف هذه النقطة من أحد، لقد حسبتها بنفسي كلمة كلمة. بالمناسبة فإن التقنية وتطبيقات التسجيل الصوتي خيار ذكي لمن يجيد التعامل معها، أنا لم أكن جيدًا ولم أرغب في تعلمها بوجود بدائل.
4 الاستمرار: العائق الذي يجب التنبه له يظهر من تحول الشغف إلى الوجه الآخر هو انطفاء الرغبة، الجدوى والفائدة ليست مؤجلة بالنسبة لي، إنها عذر اللحظة ومبرر الآن، لذلك يكفيني أن يكون ما أنشغل به هو ما أعده جائزتي. وحتى لو أن بودكاست أتوايق كلفني تقريبًا 3500 ريال، قيمة الأستوديو والموسيقى والرسم والتدقيق ومنصات النشر، ومع أنه يبدو مبلغًا مهدرًا إلا أنه بالنسبة لي استثمار في نفسي أولًا، وخدمة للعالم، لأني أحب أن أكون أحد الذين يحاولون تقديم المساعدة والجدارة باستحقاقها، أو الاستغناء والكفاية.
5 لعنة التوقعات: ما تراه في ذهنك لن تجده أمام عينك، هذا تقريبًا يشرح الفرق بين تصوراتنا الذهنية وكيف تتجسد عندما نكتبها أو نرسمها أو نعبر عنها في أي قالب، لأننا نراها مكتملة في دواخلنا وعندما نحولها إلى ملموسة أمامنا تكون منقوصة. جزئيًا يفسر ما سبق شعورنا بأن المنتج النهائي أقل من سقف توقعاتنا وذائقتنا، إضافة إلى حساسيتنا العالية تجاه نقد وموقف الآخرين مما نتشاركه معهم. إننا عندما نرهن دروبنا لذائقة غيرنا فإننا وإن مشينا لن تكون خطوتنا، ولكن خطوة الآخرين بأقدامنا.
6 فلسفة الوفرة: أكره البخل والبخلاء وأمقتهم في الحياة والتعاملات عمومًا، وفي الإبداع والابتكار مثل كل شيء آخر أقدر السخاء، وأميل لليقين بأن العطاء يجلب الحظ والرزق مثل بذرة وشجرة، ومقابل كل فكرة نحصد فكرتين وزيادة، مثل فلاح يحرث وهو يعرف ويؤمن أن المطر سيأتي، دومًا سيأتي الإلهام ما دمنا نحاول ونركض.
7 لذة التنازل: التفريط بالفكرة العادية فكرة جيدة، استبدال الفكرة الجيدة بفكرة عظيمة اقتناص عبقري. في تجاربنا نلاحظ أحيانًا وجود خلل أو عيب أو فجوة، وحينها المفاضلة بين الأفكار والخيارات تصير ضرورة، الأهم أن التنازل لا يعني الحذف، إنه يعني إضافة شيء جديد إلى المستودع، ولاحقًا من أشياء كثيرة في المستودع يمكن لنا صناعة أشياء عظيمة. أنا أضمن أن المكان الذي ندس فيه ما نتردد في استخدامه هو حجر يحتاج بعض النحت ويكون بين يدينا تحفة.
8 العودة للبداية: تجربة أي منتج هي دورة ودائرة، فكرة وأسلوب وخطة وحماسة وتوقعات ووفرة وتنازل، وعودة للبداية. نراجع خطواتنا ونلتقط ما فرطنا فيه، نزيح ما بالغنا في الاستطراد في توضيحه. إننا نعيد التجربة ونراجع رحلتنا ولكن على أثر مشوارنا الأول. نعود لأننا نحب أن نتذكر كيف من اللاشيء نبت شيء وأشياء، وكيف أننا من المجهول والتيه وصلنا إلى الدهشة. إننا نعود لأننا قبل الآخرين نتلذذ بما نفعله، نعيش وننشغل فيه ومعه.
9 الانتقال إلى التجربة: على الدوام يوجد جزء يجيده الآخرين ولا نجيده، وعندما نصل إلى النقطة التي ينتهي فيها دورنا فإننا نمرر الفكرة والكرة إلى غيرنا، ونعترف في كل مرة أننا نحصل على مساعدة لأن في الحياة من يبرع في صناعة ما نحتاجه، وأن بالقرب منا من يساعدنا بالمشورة ويخبرنا ويهدينا إلى أكثر مما نظن أننا كنا سنعثر عليه. من يعول علينا وعلى حرفتنا وكلما وصلنا حرضنا وتحدانا على العلو، ونعلو.
10 مكافأة الركض: ما نفعله سيكون مفاجأة على الدوام للآخرين، علينا أن نشعر أيضًا بالدهشة والمفاجأة، أن نحتفي بالشيء الذي وإن فعله غيرنا صفقنا وابتهجنا، وطالما أننا فعلناه فإننا نصفق ونبتهج ونزهو بذواتنا. وبالتأكيد فإن ما ننتظره لن يأتي من تلقاء نفسه، ولن يفعله أحد مثلما نخطط ونريد، لذلك سنصنع ما نرغب به.
أخيرًا، هنا الجزء الأول من كواليس أتوايق، في الجزء الثاني سأنشر الحلقات متضمنة النصوص المكتوبة وروابط الاستماع، وأرجو أنني في كل ما أفعله أكون من الذين يمهدون الدرب للنور والحلم. وشكرًا.
رابط بودكاست أتوايق على ساوند كلاود: هنا