تبدو مبالغة في التخيل ولكني أرغب في أن يكون مني نسخة ثانية، ليس الأمر لأني أحب أن أكون موجودًا بوفرة وكثرة في الحياة إنما لأني بحاجة أن أسهر معي، نجلس هكذا معًا طوال الليل نتحدث في الأشياء التي طالما كنت أقولها بيني وبين نفسي وصار ضروريًا أن أسمعها من أحد يخصني، نتشارك الهواجس نفسها ويذكرني مجددًا بأسباب ما أخترته وما تنازلت عنه، يمسك بيدي في اللحظة التي أنوي فيها أن أقول لأحدهم تعال، يضع يده على فمي إذا فكرت أن أقول لأحدهم لا تذهب في إشارة إلى أنه عيب تأجيل المغادرة، يشد على قلبي عندما أحس بأني أحس بما يؤلمني استعادته، يساعدني في مواصلة الاعتماد على حدسي في حال شعرت بالحاجة لتجربة نصائح غيري، يعيدني إليّ في أوقات أسهو فيها عن التنبه لنفسي، يفهمني لأنه أحيانًا أكون جيدًا في فهم الآخرين للحد الذي أنسى فيه أنني خرجت من ذاتي، يظهر في الانعكاس لأني في مصادفات يصعب التصريح بها وقفت أمام المرآة ولم أرى وجهي، يلهمني في مرات كثيرة بضرورة التوقف عن تقديم رغبات كل أحد لدرجة أنها تتلاشى حاسة الرغبة فيني، يكتب لي لأني مهما قرأت فإنه ما من شيء يشبه ما يمسني مثل الذي أكتبه، يغني بينما ننزل الدرج لأنه يصير المشهد شاعريًا ونحن ننزلق على السلم الموسيقي بفوضوية تخدش الذائقة، يدفعني من على الحافة لأن المسافة ليست بعيدة كما ظننت أول مرة عرفت فيها الحافة، يتذكر لأني أركض بسرعة وأنسى والله أشياء كثيرة كان يجب أن أحفظها في مكان آخر غير خطواتي، يخبرني إذا أدرت ظهري أنه ما من شيء يفوتني ما دمت أدرت ظهري، ينبهني للتوقف إذا بدأت في الدخول إلى كوابيسي وظننته سيتكرر الأمر وأصنع حكاية ثانية تشبه رواية “المهاد”، يجلس مع الذين ومهما بقيت وكنت ما اكتفيت من الجوع لأن أستمر في الجلوس معهم طوال عمري، يأخذني من كل شيء ونجلس معًا مع الذين أحب وسأحب ولن أتوقف عن حب البقاء معهم والذين مهما بقيت ما شبعت منهم، يعلمني أنه لا مشكلة في أنه يسهل خداعي لأنه مؤذٍ أن أعيش وأنا أربي قرون استشعار الخطر مثل حشرة، يلاحق الأشياء التي أقولها ويدخل في معارك مع كل أحد يقولها ويضع علامة اقتباس أو يحورها أو ينسخها ولا ينسبها لي، يطالع الوقت نيابة عني لأني منغمس منذ وقت طويل في ساعة لا أظنها خاضعة لديناميكية الركض، يجبرني على الخروج من روتين الكتابة طيلة الوقت، يعيد المحاولة كل يوم حتى أخرج من روتين الكتابة طيلة الوقت لأن الحياة ربما ستكون هناك حيث لم أذهب مسبقًا، يوسوس لي بحماقات جديدة لأنه صار بعيد تذكر آخر حماقة ارتكبتها، يلتقط لي صور وأنا أضحك لأني لا أظهر بشكل جيد في الصور التي أعرف أنها تترصدني، يضحك معي لأن سخريتي إذا ما شرحتها تتحول من دعابة إلى “سالفة”، لا يعتذر لأني اعتذرت حتى عن الذين كان لزامًا عليهم أن يعتذروا قبل أن يستغلوا أنني أركض بسرعة وأنسى لأن ذاكرتي في خطواتي، يربط شعري لأنه صار طويلًا ولأني أعرف أن أتعامل مع بالي الطويل وحسب، يمسح المحادثات لأنه صار مهمًا أن يؤدي مهمة العناية بالتفاصيل الآخرين وما عادت مهمتي، يبحث عن المكان الذي قلت فيه أول مرة “تمرد قلبي عليّ” وما يتذكر العالم أنني فعلتها وضبطت قلبي مجددًا، يجبرني على شرب الماء لأن ارتواء شعوري لا يكفي حاجة جسدي، يوافقني إذا قررت الركض ويقول “لعنبوا دربن ما تمشيه”، يعارضني إذا مشيت ولا استرحت ويقول “لعنبوا دربن ما يقعد في حراك”، يحك ظهري لأن اللصوص وصديقي المجنون عبدالرحمن وحدهم من يملكون أيدي طويلة، يسافر معنا أنا وصديقي عبدالرحمن لأنه يفوز دائمًا بالغرفة الأفضل بحجة أنه أطول مني، يخبر من أخجل في مواجهتهم بأنهم يظنون أنهم يخدعون الآخرين بينما يخدعون أنفسهم، يصب بالنيابة عني لأني مهما كبرت ما زلت أوظف نفسي لتأدية المهام التي تذكرني أنني أحب أن أتكفل بخدمة الذين أحبهم، يحمل الأغراض معي لأني أختار دومًا فكرة الثقل على الذهاب والعودة أكثر من مرة وأبالغ في تأجيل طلب المساعدة، يذكر الذين أحبهم أنهم الذين أحبهم وإن تغيّر الأمر في قلوبهم، يصادفني في أماكن أشعر أحيانًا أنني أرى فيها وجه شخص مع يقيني أن المكان فارغ، يقف في طريق من يخطر بباله أنه قادر على تعطيل ركضي لأنه ما من أحد بوسعه أن يتسبب في تأخير وصولي إلا وحكم على نفسه بالهزيمة، يأتي في وقت أكون بحاجة أن أعيد على نفسي أني ما رغبت ولا مرة في أن أظهر طرف في معركة لكن إذا لزم الأمر ما تراجعت، يرافقني طيلة الوقت ما دمت قررت منذ البداية أن الخذلان لن يأتي من الجهة التي أحرسها وأكون فيها، يواجهني بأنه عظيمًا مواصلة التنازل عن الفوز على من أخجل في التفكير لو لحظة بأني تقاطعت معهم، ينبه الذين يتباهون بقدرتهم على الجرح أن الخدوش في أرواحهم ومحفوظة في ذاكرتهم وحدهم، أقاسمه ما ظننت أنه لن يكتمل إلا بوجود المشاركة، يمسح معي ما أتردد أحيانًا في التفريط به، يتمتم بما رغبت في أن أقوله لنفسي خاصة عندما أكون بعيدًا عن الإنصات لنفسي، آخذه معي إلى حيث أحب أن أكون ولا أرتب مسبقًا أن يكون برفقتي أحد غيري، أقول له كل ما يظن العالم أنني كنت أعنيه بينما أنا لم أفكر أصلًا بالعالم.
يجلس معي بينما أتخيل وتبدو فكرة متمادية بشكل مفرط أن رغبتي تتسع في أن يكون مني نسخة ثالثة، ونجلس الثلاثة معًا بينما تصير الرغبة مفرطة في أن يكون منا نسخة رابعة وخامسة وسادسة، نراقب جميعًا القبيلة ونفكر في أنه كم يبدو هائلًا أن نجلس معًا ونفكر معًا ونقرر معًا ونذهب إلى الأشياء نفسها، يخطر ببالنا الشعور ذاته، نعيش الحياة بطريقة مكررة، وحينها نتراجع بسرعة، نتقلص ونتضاءل مثل بذرة تخيلت ثمارها، ورغبت في أنه لا يكفيها أن تكون شجرة، وفكرت أن تكبر وتتكاثر وتصير غابة، ثم قررت أنه يكفي أن تكون شجرة وحيدة لأنه لا يعني شيئًا وجود نسخة ثانية، اختارت في النهاية أن تتوقف عن الاستطراد في رغبة أو تخيل يقود إلى الهدر.
رد واحد على “النسخة الأولى والأخيرة”
بعض الهدر ضروري وصحي لأنه يصب بداخلنا في النهاية .
إعجابإعجاب