إلى أمي سالمة بنت سالم بن علي آل ضاوي الشمراني
بداية
رحمة الله عليك يا أمي ومغفرته ورضوانه وعلى جميع أموات المسلمين
- ترددت كثيرًا وطويلًا في نشر النص لأنه يهمني خاطر الذين أحبهم وقررت أننا نربت على قلوب بعضنا بالدعاء والتذكر
- وأعتذر من كل الموجوعين بالفقد لكننا وأنتم محميين برحمة الله ولطفه
- ورأيت أنه ضروريًا أن أقول للفزعين من الغياب: انغمسوا في الآن كما لو أنها الأبدية
- وتأكيدًا؛ لم تكن الكتابة والبكاء خوفًا من النسيان، إنها مطر الحكاية وجسر الوصول
ابتهال
الله يسقي طاريك وأثرك وطيبتك يا أمي، الله يسقي مكانك بعفوه ودروبك بجزيل كرمه وعبورك بجميل لطفه، الله يسقي ريحانك وحنائك وقرصك وكل ما ارتبط باسمك وطهرك، الله يسقي يوم كنتِ رحمة وحيث صرتي وداعة عند أرحم الراحمين، الله يسمّح أمرك ويبارك في صالح عملك ويغفر لك ويتجاوز عنك ويرزقنا رضاك وبرك. والله يهب لك ولنا معونة.. آمين.
انكماش وذبول
قبل رحيلك يا أمي بأيام كثيرة أحسست بالفقد ولكن رفضت شعور أنك بعيدة لأنك القريبة، عشت الفترة الأخيرة وأنا أطفو في هواجسي ولا أريد أن أقول بصوت يسمعه غيري: أنا خائف ورغمًا عني سأتهاوى في الوجع، تسارع كل شيء وأنا أسقط في الوحشة والعجز بينما أمضي إلى الغياب باستسلام ورضا لإرادة الله الرحيم متيقنًا من ضعفي.
اشغلت نفسي وأغمضت عيني وأخرست حواسي وفي كل لحظة انتبه أنه لا مفر من الأمر الذي ما عاد ينتظرني وسيواجهني، لم يعد الحال مثلما اعتدت وأنك عافاك الله وسلم روحك عشت ما يزيد عن 19 سنة في ابتلاء المرض. كنت موجوعة ومتألمة وصابرة ورقيقة وطيبة في روحك وإن كان جسدك ليس بخير.
لقد فكرت بكل شيء وقلت كل شيء ولكن أصابعي تعاندني وترفض أن تجرح السطر وتكتب رحيلك. اليوم الخميس 17 نوفمبر يا أمي، ويكون مر على صعود روحك إلى الله أسبوعين ولا أستوعب ولا أقدر على التعبير، لقد حاولت منذ اليوم الرابع ولم أقدر على كتابة كلمة واحدة، ولم أتوقف عن الحاجة لأكتب عنك ولك يا أمي، وانحنيت والكلمات مشردة وأنت فوق ووالله إنني وددت لو كنت غيمة.
ثم كتبت في اليوم السابع في الرابعة فجرًا سطرين، لم أزد عليها ولم أعد قادرًا على المساس بها. لقد عرفت يا أمي أن الحياة حياة قبل رحيلك، وأنها ما عادت الحياة. كلما فكرت وأنا ما عدت أتوقف عن التفكير أن كل شيء قبل السادسة وثلاث وعشرين دقيقة من فجر يوم الجمعة الرابع من نوفمبر كان له أقدام ووقت ووجه ووجهة ومكان وقصة، وما بعدها ثقيل أتعثر فيه حتى في مخيلتي.
كنت أطفو وصعدتي “سالمة”، وتهاويت.
لقد قلت للكثيرين حولي أنه لم ينته كل شيء، ولكن في داخلي أعلم أن الكثير انتهى. وقلت إنه لم يتغير كل شيء، إنما الحقيقة أن كل شيء.. ولأول مرة.. كل شيء.. يتغير وللأبد.
مثل الآن بالضبط، كنت واقفًا أو ربما جالسًا ولا يهم بالضبط كيف كنت لأني في الواقع كنت مكسورًا وتحت الفزع ولكن الله يسندني، استعيد الأيام بشكل خاطف وأجلس طويلًا عند آخر ليلة، أتجاوز الكثير وأتسمر عند طرف السرير.. بجوارك.. في عمر الوداع والانطفاء، ورغم كل شيء فإن الوجود كان في حالة صمت وسكون تام.
اتصلت، كتبت رسالة الخبر، مشينا معًا وأعنيها بإحساس كامل “مشينا” معًا حتى الثلاجة، وانتظرنا، وخرجنا معًا من مستشفى الحرس الوطني في جدة باتجاه مكة، على يساري شيخ كبير وقور يقود وأنا عن يمينه وحياتي كلها ليست أمامي. الطريق لم يكن طويلًا، لم يكن قصيرًا، بدا أنه مثل الكثير حولي خاطف وموازٍ، انتظرنا في جامع المهاجرين بعد أن يسر الله أن يكون ميلادك لدار المستقر والجنان بإذن الله في مكة، صلينا الجمعة واتجهنا بعدها إلى الحرم المكي، وبعد صلاة العصر وقف الشيخ بندر بليلة وصلينا، مباركة يا أمي وبركة بدأت حياتك بالأذان واختتمت بالصلاة والقبول بإذن الله، توادعنا وتعاهدنا أننا سنظل معًا.
وأنا لا أتخيل الآن لأني انتقلت وصرت أتذكر، ولا رهان على الذاكرة والعشم في التذكر. والعالم كله صغير وهامشي وأشعر بالجفاف وهذا الدمع ليس ماء. في الطريق إلى جدة نسيت نفسي وفكرت في سعد، كان كل ما يشغلني، وابشرك يا بركة عمري أن الله تفضل علينا بالقبول وأسأله أن يمن علينا كل حين بالرضا.
أكتب وأمحو، أقول وأفكر وأتأمل، أتحاشى “عشان خاطرك” وخاطر كل الذين سكنت محبتك في قلوبهم الكثير مما أريد كتابته، لأني في اللحظة أتحسس من الكلمات وما أفكر به وما أكتبه، والله يعلم أنني لا أجزع ولا أسخط متفضل عليّ بجميل الصبر، والله يعلم أنني أخاف أن أتنهد ويمس وجعي طيفك، وأحاول أن أكون مثلما عرفتي وربيتي فيني.. أن أسير على أطراف أصابعي توددًا ولينًا يا روحي.
في وقت ما
عالق يا أمي وعاجز عن مواجهة غيابك وهو الحقيقة الوحيدة في كل هذا الزيف المدعو حياة. لقد صرت خفيفًا يا أمي ولم تعد أي أرض تمسك بي وخطواتي لا تحس بالطريق ولا شيء يمنعني من اليقين بأني أراني أطفو ومشدود إلى السماء. توقفت وتعثرت عندما حاولت أن أركض مجددًا ثم استسلمت وانطفأت. أحبك يا أمي وأكتب إليك لأني بحاجتك معي وفي كلامي وشرودي وكل لحظة لا تكون حياتي إلا بوجودك فيها. ما توقفت عن الرضا والحمد على قضاء الله وحكمته وأشتاق لكل شيء كان معك، وكل شيء يحدث وأفكر كيف سيكون بحضورك. سنتان وعشرة أشهر يا أمي وما زلت أراقب الوقت ومشغول بالأيام لأنها جالسة أمامي وتناديني وتراوغني وتكون خلفي وتعيدني وتعبر مني وأسير بداخلها وأبصرها جميعي وتبصرني بعضها، الوقت والأيام تخيلي يا أمي لم تجاملني بالجمود للحظة وأكملت مهمتها سائرة إلى نهايتها ولكني عاندتها وشطرت عمري إلي حياتي التي كنت فيها معك وشيء لاحق لست فيه حتى مع نفسي.
أراك يا أمي هنا حيث كنتِ وكنت وكنا نعيش وأراني هنا ظل في ظل وما سبق نور وعمر وما بعده خارج العمر والشعور. بقربي يا أمي وبداخلي ونكبر معًا حتى ذاك الفجر القاسي ويؤذيني أن أفتح عيني وأبسط يدي وأرخي الوثاق للحظاتي وأنتِ يا أمي بداخلي ولستِ معي. ما أعرفه وما أنا متيقن منه وكل ما اختبرته تلاشى بغيابك ورأيته يلوح ويستجدي أن أرجوه بالبقاء أو أتبرع له بالوداع؛ وما فعلت غير أن قلت متأكد أنني عشت؛ وأقول اليوم ربما فعلت وغالبًا تظاهرت. ولأني بحسب عشمك يا أمي “الولد الذي يسمع الكلام” سمعت كلامك ولم أبكِ كما أردت وتمنيت وودت ولو أنه بيدي فرصة مشاغبة أخيرة وأحرر دموعي ولكنك لا تحبين حزني ولن أبكي بغير قلبي. افتقدك يا أمي وافتقد النداء واسمك وصوتك واسمي منك والرجوع والعالم كله صغير وهامشي وأجلس معك واتصالك ودعواتك وقصائدك والسهر برفقتك والمشاوير معك، والقرية والبيت في الديرة والشقة في الريان والواحة وجدة والآن والعالم كله غصة في حلقي.
كانت المواسم ترتب الأيام والفصول تغزل الوقت والفواصل خطوات في كلامي يوم كان لنا حياة نتقاسمها ونبتهج ونرتبك ونشعر بالخوف ونجرب الطمأنينة وننعم بالتجاوز ونتورط بالخيبة ونذهب ونعود ونتموج ونحب أنها حكايتنا وحياتنا ولكن ما عاد من ذاك كله غير أنها ما عادت حياتنا. بالتدريج كبرت وتأذيت وسافرت وتعافيت وكتبت وعشت ورأيتك يا أمي تهبين وتمنحين وترتبين وتبثين في الحظ روح وفي الأيام نوايا وفي الدروب غاية. متيقن بأنك يا أمي لن تغادري فجأة وتغيبي على حين غرة بل كما فعلتي طيلة عمرنا بأن المؤكد مهما كثرت التغييرات واتسعت المسافات كنت الثبات والصلابة والملاذ. لم تفرطي حتى آخر لحظة عن مداراة خاطر كل واحد فينا ومراعاة مشاعرنا وتخفيف قبضة الصعاب والعناية بحياتنا حتى لا ننكسر ولا تصيبنا الفجيعة ولكن لكل هذا فجيعتنا أكبر وانكسرنا. خائف وتطلب الأمر أكثر من الوقت وأعمق من النسيان وهبة من الرضا وهروب والوقوف على المحك مع تضاد الاحتمالات وتساوي ردة الفعل بأن ما يحدث ليحدث. لقد عرفت احساس التعادل وإنه يتماثل فزعت أو سكنت وتهاويت أو تماسكت ووصلت أو تعثرت وسهوت أو انغمست لأن شغف الحياة اختار أن يدير ظهره. ما أفكر به الآن أن سعد ولله الحمد بخير، وهذا كل شيء.
بكاء ثان “بعد ثلاث سنوات ويوم”
الحياة ستظل طيبة؛ وينقصها الكثير، ينقصها الكثير منك يا أمي.
نسير إلى الوجهة نفسها، لحظة الوجع القصوى، ولكل منا درب يخصه. هذا ما أفكر به يا أمي عندما أفكر بنا نحن الذين تأثرنا بك طوال حياتك، وتعثرنا برحيلك رحمك الله. نحن الذين وبالأخص كانت حياتنا تتمحور حول حياتك، وبغيابك بقيت حياتنا ضائعة تدور حول نفسها مثل جرم سماوي ظل سبيله ورسالته. نتذكرك وكل واحد منا يربي وجعه الخاص في سهوه وشروده، وعميقًا داخل عقله وركضًا وراء أفكاره، وفي كل مرة يكون لنا وقفة مع لحظة تجمعنا بك، نغوص فيها وننكمش ونبتهل بالدعاء، كل شيء يعاودنا ببطء ما عدا الأيام الأخيرة التي ما كنا نعرف أنها الأخيرة فإنها تتسارع، عندما صارت حياتك وجعك ومشقة خالصة، وأكاد أبصر الآن خروجنا من البيت للمستشفى والليل لا يحيط بنا بل يستقر في أعماقنا، ورجونا الله آنها لا تكون النهاية ولكنها رحمة الله وحكمته. بعدها بأيام كنا جالسين مع الفريق الطبي الذي راح يشرح ويمهد للصدمة وأنه ما من خيار غير العلاج التلطيفي، وفي لحظة أنانية كنا نتمنى أن يبقى الأمر كما هو عليه كما لو أن معاناتنا أكبر من ألمك، وأن راحتنا مقدمة على راحتك، ولكنها كانت لحظة وكان الله معنا وهو اللطيف بك وبنا. ولأن الأمر واقع واقع فلا نملك غير التسليم. وكل ما سبق تلك اللحظة نختلف في تفسيره ونتفاوت بين اليأس والتفاؤل وتتجاذبنا الاحتمالات، ولكن ما بعدها علمنا أنها النهاية.
في تلك الأيام يا أمي تملكني عجز كامل وما عرفت الصواب، وهل استغل ما تبقى من الوقت؟ أو أكون “الولد الذي يسمع الكلام” ولا يبكي ولا ينهار، ويرضى ويحب ما تحبينه يا أمي. في الليلة الأخيرة بدا واضحًا منذ أول النهار أنها الليلة الأخيرة، ومثلما يصعب الحديث عن الأيام السابقة فإنه يستحيل الحديث عن تلك الليلة. ولكن ما يمسح على القلب ويربت على الروح أنك كنت في يقظتك المتقطعة مثلما أنت طوال حياتك، تسألين وتطمئنين وتواسين وتبتهلين وتسامحين، لقد كان وداعك حنونًا ورقيقًا لأن فضل الله عظيمًا. بعد الفجر بوداعة نسمة صعدت روحك الطاهرة إلى السماء، وعند التاسعة صباحًا كنا في الطريق إلى مكة في رحلتنا الأخيرة بعد أن صرتي في ضيافة أرحم الراحمين. وعند الخامسة والنصف كنا ذابلين وعائدين إلى جدة، وأنت فإنك في مكة وديعة عند الله رب العالمين.
أكتب إليك يا أمي، وسأكتب، وحتى لا تعود كل ذكرى أخيرة؛ أخيرة.
في أحد الأيام
السلام عليك يا أمي يوم ولدتي ويوم تموتين ويوم تبعثين حية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام على روحك وطمأنينتك ووداعتك وطهرك وذكراك وطيبتك، السلام عليك يا أمي من أبي ومن سعد ومن أخوالي ومن أخواتي وأخواني، السلام عليك يا حياتي. مر وقت يا حبيبتي وسيمر عمري كله وأنت معي وفيني. أفكر بك ورجفة تسري في عظامي، أسمع صوتك تحدثيني عن الأيام في آل جرادة عند أهلك “أخوالي وأهلي”، وأشعر أني كنت معك في طفولتك وشبابك وحتى لحظة زواجك، وأرى وجهك وجهي، وأسير وخطواتك خطواتي ويدك يدي، أعيش حياتك دون أن يفوتني كم تباركت بفضلك حياتي وامتدت إلى قبل وجودي، بقلبي كنت حاضرًا وفي قلبي كبرت أولًا ومن قلبي أتذكر حياة كانت لك وحدك ولم أكن فيها بغير حديثك، قبل أن أصل للحياة وأبكي للميلاد. وأبكيك للأبد.
أتذكر بيتنا القديم الحجري في “امحيّر” وأنت اللين، أتذكر ميلادي وطفولتي البعيدة ولم أراها إلا بعينيك وأعيشها في ذكرياتك، أستعيدها وأنا سراب وأنت الماء والسكينة، وأنت الدار والمدار وعالمي. انتقلنا من أن أكون مجرد قلب يؤنس قلبك ثم مولود يتنفس ضحكتك وبعدها طفل في بيتنا المسلح في القرية، ولا أتذكر طفولتي ولا الاحظ نفسي كما لو أني مجرد انعكاس. في بيتنا الذي كبرنا فيه حتى مرحلتي المتوسطة تقريبًا تذوقت الغيم أول مرة عندما نطقت اسمك وناديتك ورددتني إليك “أمّه”، هناك عرفت بوجودي وما أحببت في نفسي غير أني منك وابنك، وكان وسيظل ما انتبه له بعد كل حديث وقبل كل عقاب وفي كل توجيه أو تأنيب غير قولك “ولدّي محمد”، لأنك ما كنت ترضين بأن أتغيب عن المدرسة أو أكون البادئ بالخطأ أو أن أكون المنتقم أو أكون جزء من المقارنات أو المدلل بالاستثناءات، كنت أزل وترديني إليّ لأنك وحدك من عرفني وأبصرني، لقد أردت لي كل ما أتباهى يومًا أنه أنا، لقد ربيتني.
وأتذكر بيتنا في المزرعة بجوار مصلى العيد، وبقدر ما أحببت هذا المكان طالما كرهت أنه لزامًا كلما كبرنا أكثر صار ضروريًا أن نذهب إلى مكان أبعد، وعرفت السفر والوحشة في يوم واحد، وتورطت بالغربة منذ استيقظت على المنبه وليس على صوتك؛ وعدت في المساء من دروب لا تهتدي إليك، ثم غضبت وحزنت ثم رضيت كما لو أني لم ابتئس أبدًا منذ عدنا معًا في جدة أواخر ٢٠١٧؛ أنت وسعد وأنا، وحياتنا تحاول أن تكون رقيقة مع إيقاع حزين لأننا دون أن نعترف كنا نعرف أننا نتألم، ورغم أنك حينها تعانين الوجع يا أمي ولكنك تقاومين حتى نشعر أنك بخير، وحينها يا للغفلة ظننا أن كل شيء بخير.
وعندما كتبت يومًا “يبكي من الداخل، صدره دائم الخضرة”، تظاهرت أن الأمر لا يخصني ولم تكن كذبتي الوحيدة، لقد كذبت قبلها على نفسي وما عاد صعبًا أن استمر في الخداع، خاصة وأني أجهل الطريقة التي يتعايش فيها الناس مع الترقب والوقوف من وقت إلى آخر على مقربة من النهاية، ولم نستسلم لأنك يا أمي كنت طيبة بكل ما تعنيه وتجسده هذه الكلمة من معنى. في كتاب ست دقائق كان الفصل العاشر “الرُّقعة: سيرة الشجرة أم الفلاحين”، من الصفحة ٣٢٤ وحتى الصفحة ٣٥٥؛ هي أكثر ما يمسني ولم أفصح قبل الآن عن ذلك، وما كنت أخطط لكشف هذا السر لكن واقعة صارت قبل أيام أجبرتني، لقد انكسر جزء من “الرُّقعة” وكادت تكون حادثة مأساوية ولكن الله ستر، وبالنسبة لي لم يكن مجرد غصن ولا كسر فقط؛ إنها دلالة على تبدل الكثير من الأمور ولكن في هيئة مواساة، ولا يمكنني الاستطراد ولن أتجاهل الكتابة بحذر شديد حماية لنا نحن الذين نحبك، وللذين يشبهوننا وعالقين في الكثير مما بعد.
لقد دربتني يا أمي على المراعاة كما لو أنها أعظم فضيلة.
في رواية “المهاد” فإن الغلاف أعمق مكانة في قلبي من الحكاية، لأنه شيء خطر ببالي وأنا جالس معك يا أمي، واخترته وأنا أتذكر مثله كان معك يا أمي، ولأنه كان يصعب العثور عليه بحثت عن شبيه به، وعندما وصلنا عدت يا أمي شابة وعلى كتفك “الميزّب”، وأنا بداخله وواقف في نفس الوقت بجوارك. عندما وصل الكتاب شعرت بأني ولدت مرة ثانية، لأن بهجة دافئة نبتت على وجهك يا أمي ترجح عندي بكفة كل ما حصلت عليه وما سأصل إليه بالكتابة. في حكاية “المهاد” حاجة من الطفولة والميلاد والأمان والتيه والتوقف؛ ومما لا يمكن الإفصاح عنه بغير التورية.
في تنهيدات متفرقة
كل مرة حاولت وتلعثمت وسكت تساءلت حينها بأني لا أفهم كيف يفعلها الناس ويواسون ذواتهم ويكتبون عن أحبابهم؛ حتى تنبهت أنها وسيلتهم الوحيدة لمرافقتهم والبقاء بقربهم والحضور معهم والانتقال من هنا إليهم، وتوهم استعادتهم أو اليقظة فجأة ومصادفتهم. لقد عشت يا أمي وأنا في حالة داخلية من الظن بأني الأول؛ البداية لكل فكرة وشعور من عندي، وما كنت من العارفين وكبرت وأنا من الجاهلين، لأن حياتي هي الشيء الوحيد الذي تماديت بتوقع امتلاكه والحق في تبذيره واستعماله كما أشاء، وهل أكتب لك أو لي أو عنا أو منا إلينا، ومهما يكن المهم أن نظل معًا، ولو أننا في عالمين مختلفين إنما تجمعنا فكرة وحياة ودعوة وظنون طيبة برب كريم.
وإن قطعوا حبلي السري فما من قوة في العالم تفصل ما بيني وبينك. أنسى كل شيء لأن ذكراك تكفيني، وأتسامح مع كل شيء وكل أحد لأن كل شيء أصغر من غصة غيابك، لأنه لا يليق بي مزاحمة حضورك.
وأعرف أن هذا ما سيلازمني طيلة حياتي، أتخيل كل شيء بوجودك يا أمي.
والآن أعلم يا أمي أنني عندما أموت ستكونين هناك بانتظاري، وحينها سأسالك: هل عشت مع غيابك بالطريقة التي ترضينها؟
امتنان
الحمد لله كل حين وعلى كل حال، الحمد لله الذي تفضل بحكمته وأختار أمي “سالمة بنت سالم -رحمها الله-” أن تكون لى أمًا وملاذًا وبيتًا وعمرًا، الحمد لله على حياة بدأت وامتدت وأمي أساس ومنبت وحظ ثمين يخصني ويكفيني، الحمد لله على الوقت والتفاصيل والوفرة بحضور أمي في الأمس والآن وكل أيامي، الحمد لله على تدبيره بأن أمي في تكويني وكياني وعروقي وقلبي وبصري وقربي، الحمد لله على أن نعمة الأم عشتها تحديدًا بأمي سالمة.. وفكرة الأم تجسدت في ذهني وتمثلت في واقعي بأمي سالمة.. وأني ما حييت وبقيت والأم روحًا وإنسانًا وكلمة وخاطرًا ووصولًا كانت وستظل أمي سالمة.
ويا رب اجعل أمي سالمة في الدنيا والآخرة، وأسكنها فسيح جناتك.
ولدك الذي يسمع الكلام: محمد.
الأربعاء ٥ نوفمبر ٢٠٢٥ جدة