استيقظت بعد أن أكملت الشمس مهمة صعود الجبل من الجهة الشرقية ورأيتها تجلس على القمة بعض الوقت تستريح في الظل، وعندها تحمست الشمس لأن تصعد إلى السماء وحينها تنبهت أنه يمكن لها المسير بدون وجود سلم صخري ولا أقدام ولا أجنحة، عرفت بالأمر لأني أراقب الوقت الحر خارج قيود الساعة. شعرت بالمشهد متيقن من حدوثه على الرغم أنني ما زلت في غرفتي المظلمة بالكامل، وسابقًا كنت أتحاشى النوم في الظلام ولكن كبرت وصار ضروريًا أن يكون بحوزتي عادات مختلفة، وبدأت أتحاشى النوم في النور. ولأني أعدّ الستارة حالة فنية في مسرحية تعاملت دومًا مع فكرة استخدامها أمام النافذة عبث يصل حد التجاوز، لأنه يصعب عندي تحديد هل أنا في طرف الجمهور والنافذة خشبة مسرح والشارع كواليس؟ أو أن الشارع جمهور والنافذة خشبة مسرح وأنا الكواليس؟ لم أقرر بعد ولكن النافذة في كل الظروف تبقى ثابتة بين الجمهور والكواليس وعليها تعيش الحكاية وحوار النور والظل، التلصص والانكشاف. وعوضًا عن الستارة وضعت على النافذة قصدير، اللمعة في النافذة بسبب القصدير تبث فيني استفزاز من نوع أنه مرآة ولكنه تعرض للعطب في واحدة من مراحل تخلقه، بعد فترة استبدلت القصدير بالتجليد الأسود، عملي وصامت ويوحي بلوحة مقتبسة من الليل. وفي الواقع يندرج هذا التفسير ضمن هوسي بتحويل ظروفي إلى مفاتيح عثوري على لمسة فنية، لأني أعرف أن الستارة خيار جيد ولكنها مكلفة ماليًا، خاصة عندما كان يستحيل التفكير بالحياة بطريقة مترفة.
كانت الساعة في هاتفي السابعة والنصف تمامًا، تأكدت من الوقت قبل مطالعة الهاتف لأني أعرف بقلبي، فتحت عيني في الغرفة المظلمة ونظرت إلى اللمبة الصغيرة الحمراء الصادرة من جهاز التكييف، بهذه التجربة أطمئن على حاسة البصر. وقبل أن أفتح هاتفي وأدخل إلى الملاحظات وأؤدي مهمتي اليومية الصغيرة في أن أكتب ما أظنه شكل يومي، فكرت أنني منذ فترة أدمنت أن أكتب في بداية يومي ما أفترضه وأتخيله شكل يومي، وعندما أعود للنوم في وقت متأخر أكتب تدوينة أسجل فيها تفاصيل يومي، ولأني مؤخرًا جربت مشاركة تدويناتي المتخيلة والواقعية مع مجموعة محدودة من أصدقائي المقربين جدًا، وتوقفت عن المشاركة بعد أن صارت الفكرة تتسع والصفحات تكبر والتفاصيل تزدحم، بات ممكنًا أن تنتج هذه التجربة عملًا أدبيًا مع بعض الإضافات التي تشكلت بسبب المراجعة وكثافة خيارات الجنون المحتمل. وأقول عملًا أدبيًا على سبيل التحايل على أشياء كثيرة لا أعرف ما هي ولكن سأكتشفها فيما بعد، وأراوغ تحسبًا لحاجتي للمراوغة حماية من أن تصير خطواتي على كيف مخططاتي.
بعد أن فكرت قليلًا في كل ما سبق ويظهر عندما كتبته وكأنما استغرق وقتًا طويلًا، خطرت بذهني رغبة عابرة أن أعيش لحظيًا خارج حياتي، بعيد عن الأشياء التي أحبها وأكرهها لأنه ضروري أن يحب الشخص أشياء ويكره أشياء، وأن تبادله أشياء الحب وتواجهه أشياء بالكراهية بدون وجود سبب ولكن تقديرًا للتوازن بين المتضادات، تمرين الزامي لتحقيق معادلة الطبيعة بين القبول والرفض. تخيلت لو أني فعليًا سأكون خارج حياتي منزوع عما أريده وما ينتظرني، في المنتصف بين ما أخطط له وما أهرب من الوقوع فيه، معفيٌّ من المساهمة بالأحكام والقرارات وتحديد الدرب والخطوة والوصول والتوقف، جالس وبيني وبين حياتي القديمة والحالية والمتوقعة مسافة، أراقب ببلادة نفسي ولا أتحمس لتقديم المساعدة، أرى مواقفي وانغماسي وشرودي والمصادفات وحيرتي وكأنها لا تخصني، أضحك لأنه في الحقيقة يستحيل أن أكون في هذه الوضعية وأكون جادًا في الوقت نفسه.
أستريح مثلما تفعل الشمس عندما تصعد الجبل وتجلس في الظل وأنظر لحياتي، أتأمل الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم وأفكر أنه يمكن أنني لا أعرف حتى من ظننت وظنوا أننا نعرف بعضنا، أصافح وكم تبدو شاذة فكرة أن تمس يدي من أرفض أن يعبرون راحتي لأن مصيرهم الوقوع من بين أصابعي، لكنها يدي وليست قلبي وهكذا تفكر الشمس عندما تنشر نورها. أتقاطع بفضول لا يحدث في الواقع مع من نتعمد معًا أن يعيش الفراغ في المسافة بيننا، ولا يهم وجود معنى غير أنه حظ للفراغ. أفعل أشياء طالما فرضت على نفسي التمنع عن ارتكابها وليس لأن ضريبتها الخجل لاحقًا إنما لأنها لا تستهويني، ولأني أصلًا في الحقيقة وعندما أتخيل أيضًا أتمسك بالمبادئ نفسها وهذه طبيعتي. أنشغل بتفاصيل لا تخصني وتخص الآخرين وألاحظ لماذا أميل عادة لمقاومة أن أكون الآخرين، ولأن ذلك ببساطة يعني أن حياتهم مختلفة ولن تكون حياتي. أعتني بما يفوتني غالبًا تنبيهه إلى أنني أفكر به مثل أن أسند شجرة أو أسحب الماء إلى النبتة أو أبرح مكانًا للغبار القادم، لأنه لن يضرها لو أنني لم أساعدها لكن أحاول أن يكون لي الفضل، ودين مؤجل. أسمع تبريرات من أغلقت الدرب بيني وبينهم بإنصات من يبدو وكأنه سيغيّر موقفه، لأنه لا يروقني صدقًا أن أتعاطف مع من أعرف بأني وإن سمعتهم تعاملت معهم بدافع الشفقة، وساعدتهم في أن يكونوا سفلة ومساكين. أدون من هناك حياة تافهة يشعر فيها الشخص لأنه بداخلها أنها حياة بالغة الفتنة وباعثة على الحسد، وبينما أدون المح من بعيد الشخص الذي يستريح عند السابعة والنصف وخمس دقائق فوق الجبل ويصافح الشمس قبل أن تطير في السماء ويعود إلى الحقل ويسترد حياته.
أنهض من السرير وبينما أكون واقفًا أمام النافذة التي بداخلها الليل، أكتب ما أفترضه وأتخيله شكل يومي في كلمات قليلة في الملاحظات، أضغط على زر التكييف وتنطفئ الشعلة الوحيدة في الغرفة، وأخرج بالظل إلى العمل.
هناك بعيدًا، وعند نهاية المقطع الثالث شخص مستمر بالضحك لأنه يصعب أن أكون في أي وضعية ولا يكون أحد ما يضحك من تظاهري بالجدية.