هواجس متطرفة شائعة

يربكه اتصال يصله وهو نائم، رسالة مجهولة المصدر، صوت بعيد غير واضح المعنى، كلمات مغموسة بالغموض، شعور كل مرة ينساب بغزارة، الظن الجيد والسيئ، مصادفات تشبه جزء من تفاصيل عثرات سابقة، التورط بأغنيات تسرق التنبه، الظلام عندما يمس وهج الشغف، الطريق الذي يقترب من ذاكرة الذين غادروا بعد أن غدروا بقلبه، وجع بالغ الرقة، تنامي قسوته كلما خطر بباله أنه ما كان ينوي خذلان من أفلتوا يده، حدسه عندما يبث له إشارات التحذير ويجرب أحيانًا تجاهله، فكرة طيبة عن أشخاص لا يضمن أنهم طيبون أصلًا، تذكر الأيام القديمة وما كان فيها اللعين بالطريقة الضرورية، تردده وهو يقول عن أحدهم كنت أحبه، مراوغة وحدته إذا غفلت عن العناية به ومررت له حنين المشاركة، فضوله تجاه من يجهل ماذا يختار أن يكون حالهم، الليل القصير وهو يفكر بكتابة نص طويل، إحساسه أنه يعتني بالآخرين أكثر مما يفعله لنفسه، تداعي الحكاية بسبب موقف ما زال ينهش التفاصيل، الذين لا يعرفهم ويعتقدون أنهم يعرفونه لدرجة أن يتحدثوا عنه بالنيابة، اعتقاد أحدهم أنه جيد معه بسببه ولا يدري أن هذه سجيته.

مرتبك من ارتباكه لأنه لا يعرف هل هو طبيعي أم متمادي.

متوجس أنه قرر التوقف عن طلب ما تمنع أول مرة بينما كان يجب به المبالغة في إبداء الرغبة، أنه كان قريب من الوصول ولكنه تراجع، أنه يملك الأدوات المناسبة وما زال يجرب بطريقة خاطئة، أنه يركض في الدروب التي يظنها تخصه وما من يقين بأنها ممهدة لخطواته، أنه كلما انتظر فرصته المناسبة تسبب بتفويت فرصة مثالية، أنه عالق في كل ما يظنه اختياره، أنه بينما يتحاشى أن يكون الطرف السيئ ارتكب السوء بحق ذاته، أنه يتسامح في هيئة تنازل، أنه متهور في اعتقاده بمصير كل الذين نسي جنايتهم وصار يربكه ما يتمناه لهم، أنه يفسد على الآخرين حظ تجاوزه لأنه يختار حمايتهم بدلًا عن استغلالهم، أنه يفرط بالتفكير في مراجعة دوافعه للقبول والرفض، أنه كلما زاد تركيزه على ما يعيشه تضاءلت حاجته بما يود اكتشافه، أنه يحارب التيه عبر إطالة فترة توقفه، أنه يقاوم جراءة المغامرة طالما أنه يتبرع بالخطوة الأولى للآخرين، أن ما يحدث بسببه يعطي فكرة مغرية بالذهاب إلى غيره، أن ما يعتاد أن يكون بقربه لا يعود يحس ببريقه بمجرد أن يبتعد عنه، أن يسرد كل ما يجول بخاطر أصابعه ويظهر على أنه ما يؤمن به ويعبر عن حياته.

متوجس أنه ربما هذا ما يفترض حدوثه ولكنه لا يرغب في حدوثه.

يعاني من الإفراط في القلق على الذين يحبهم لأنه يريد أن يحبهم بوفرة لا يطيقها صدر واحد، على ضياع لحظة من حاضره في استعادة من تقاطع معهم في ماضيه، على كل ما يعطي انطباعًا بالتوحش لأنه ينتظر لمسة من الوداعة حتى يطمئن، على نصائحه التي يقدمها لنفسه ويفهمها العالم باعتبارها تجاوزًا على سير حياتهم، على ما يقوله في لحظة ضعف عابرة ويصير تصور دائم عنه، على ما يكتبه ويصعب المراهنة أن يصل بالطريقة الصحيحة لأنه يستحيل أن يفصل الناس بين شعورهم وتوقعاتهم، على الطريقة التي يخرج بها في حال تهاوت مواثيق العشم دون أن يكلف نفسه عناء التفاتة أخيرة، على من يتبرع بأن يكون وسيط تمرير الحزن والأخبار السيئة، على الصورة إذا ما تشوهت بالتداول بعد أن عاشت طويلًا زاهية في إطار عنايته الخاصة، على البرود الذي يعرف كيف يمهد درب حضوره في طريق الاعتذارات الناقصة والمتأخرة، على عاطفة يصيبها السعار في البدايات حد أنها لا تحتفظ بشيء للجفاف القادم، على تأجيله قرار الخلاص من أعباء من تتعارض نواياهم مع تصرفاتهم، على أن يتأثر يومًا ويشبه من لا يحسون بقيمة ما يمتلكونه إلا بعدما يفرطون به، على من تذبل أغصانهم وعروقهم في صدره لأنه إذا تسرب شعور التقزز إلى أعماقه فإنه ما عاد يقدر على الإحساس بأنها مجرد نزوة، على قدرته في التخفف من كل شيء بمجرد أن يسيل من على أطراف حروفه.

أن يكون عدوه القلق الذي لم يخطط ولا مرة في أن ينتقم منه.

خائف أنه لا يخاف كما يجب، أن خوفه مسكين ويستحق الشفقة ولكنه يعامله بحدة.

مرتبك ويصيبه التوجس ويعاني من القلق ولديه مخاوف، وكأنما لا يعرف أنها هواجس شائعة، متشابهة وفطرية في حال استخدمها للحذر، مرعبة في حال أنه عاملها كمبررات للهروب. متيقن أن كل شيء قابل للتلاشي بتأثير ضحكته، بانغماسه في البهجة، والتحايل بخدعة بسيطة يسميها: تغيير المعنى. بالإيمان أنه ضروري أن يواجه أوهامه البغيضة، أو أن يبتكر أوهامه الشهية واللذيذة. أنه مثلما لديه هواجس متطرفة أحيانًا، يصرح بها مؤقتًا، إلا أنه يمتلك سكينة تساعده في أن يتوقع أشياء آمنة غالبًا، وجيدة.

أن سبيله للخلاص مرهون بأفراح صغيرة هي زاده وعذره للمقاومة والتجاوز، ومستمر في التعويل كل مرة على معجزة انتهاء ما يعطله بفضل خاطر.


أضف تعليق