
كل كتابة هي منافسة بين البناء والهدم، الظهور والمحو، لعبة “x-o” إنما بالطريقة القابلة لابتكار قوانين جديدة، الخروج عن القالب والدخول إلى الجنون. هنا عشر محاولات لا تصنع لوحة ولكنها تفتح نافذة، أرسم وأكتب لأنه يمكن تأثيث الفراغ بالسحر.
1
عروق باطن قدمي
أصافح بخطواتي، أتحسس حظوظ لا تعرفها يدي، أنبش عن دروب فاتت أن تهتدي إليها أصابعي، أغرسني لأيام طويلة على هيئة شجرة في سيرة الحطاب، أساند عمود الإنارة المستغيث ويومض طيلة الليل، أزاحم كراسي الانتظار في الحديقة المهجورة بأقدام عابرة، أركض مع الوقت إذا ما رغبت في ابتكار فائدة للحظة، أتردد في الضياع لأنه أحيانًا يبدو مثاليًا التراجع، أتوقف كلما راودتني فتنة تفويت الفرص، أتذكر مواعيد خاب ظنها في استجابتي، أسير إلى حيث اعتدت أن أدس هواجسي، أغامر باكتشاف حماقات طرية. أعرف شكل خطواتي، أثرها، الطريق الذي ترسمه، تباعدها غالبًا لأني أقدس الفراغ، خفة ملامستي وكأنما أنقر على الأرض وأسير بالقفز، ركضي وجمودي، وأي قدم تبدأ أولًا في تلمس الطريق، كيفية التأكد من صحة مشاوير الغواية، طريقة قياس كثافة الماء في بركة وفي الهواء، تحريض الغبار على طمس ذكرياتي، وعناق العشب وكأنما ينبت بين أصابعي. وأجهل بصمة كل مكان على باطن قدمي، أتذكر الجروح والندب وأنسى التفاصيل، يفوتني أنه في كل مرة تضع الأشياء مسحتها على راحة قدمي، أن أتخيل كيف يبدو الطريق والعمر في ذاكرة خطواتي، طعم الأيام تحت جلدي، وأنه سيظل دومًا جزء من قدمي شارد عن ملاحظة ما يفوته بسب انحناء وتقوس طبيعي وفطري. إنني أفكر بشكل قدمي لأني أرغب أحيانًا في تغير خطتي، طريقتي وليس طريقي. ولأني أحاول أن أعيد تدريب الإحساس في باطن قدمي، أن أنمي ملكة التنبه في خطواتي، حتى يصير بوسعي الاطمئنان على ملوحة البحر، أن أجس نبض الطين، وأجدد علاقتي بالرمل، وأن أشعر بما أتلمسه في باطن قدمي، وأختار حيث يمكن لي التوقف والتأكد أنه المكان المناسب للتلذذ بانتظاري.
2
حياة شخص تتسع للكثيرين
كما لو أنه سفر في قطار، من هذه النافذة في هذه العربة أرى العالم بنظرة خاطفة. وكما لو أني أرى الأشياء قبل أن تراني، أصل إليها قبل أن تقترب مني، ألمسها بينما لا تزال تحاول الظهور في محيط تنبهي. أبصر ما يمكنه أن يلاحظني، وليست هذه بصيرتي إنما حدسي. من هذه النافذة في هذه العربة في هذا القطار تبدو عيناي مثل طُعم معلق في رأس سنارة صيد، ألمح الحياة من مسافة بعيدة، أشعر باللحظة التالية والأيام القادمة، أتذوق طعم الفريسة قبل أن تخطط وتنوي أن تصطاد هذا الطُعم. من هذه النافذة في هذه العربة حيث أجلس، أحس أن عينيّ مغروسة في المصابيح الأمامية للقطار، تضيء وتكتشف، تومض وتلتقط، وكما لو أني أركض لأكون أول من يمهد الدرب للمستقبل، ولا يشدني شيء ولا يفوتني شيء، أحرك رأسي فتتحرك عيناي وأمشط كل التفاصيل. منحاز لمعاينة ما سيأتي، لأني أعرف أن المصابيح الجانبية تعيش في الحاضر، المصابيح في ظهر القطار دلالة على أن الذكرى تأتي بعد لحظة، المصابيح داخل القطار هي فكرة لتبديد الوحشة. وكما لو أني رغبت في الخروج من ذاكرتي، الدخول إلى فكرة مواصلة السير لأني أعرف أنه في لحظة ما سيحدث واحد من احتمالين: إما أن أعثر على طريقي، أو أن طريقي سيجدني. وهكذا، ما عاد يثير فيني الضياع الشعور بالتيه، وبالكاد صرت أحسه مثل إشارة بأن أركض لمسافة أبعد. وسبق أن قلت سأتوقف، وضعت خطة ونقطة وصول عارف بأني سأجد هناك ما يسع جمودي، راجيًا بأن أشعر برغبة أقل في الركض، هارب من الصخب إلى صخب مألوف، ووصلت. ما كانت مرة أولى نية التوقف والمربك أنه طالما تحققت، أتوقف طويلًا وهكذا تبدو حياتي: توقف وتخطيط للتوقف. ومللت. أعود مثل مسافر وأسكن مثل غريب، طارئ على المكان فيني حنين للغياب، مسكون بالذهاب. أعرفني هناك، أجهلني هنا، مكرر هذا الشعور، قديم هذا الجمود، وعابر. وكما لو أني تغيّرت أسرع مما ظنه الوقت، أبكر مما خمنت هواجسي، كبرت على الانتظار، الحنين والاحتياج، عبرت من فوق الأيام الباردة بأقدام تستفز الدقائق، وليس وكما لو أني راوغت الحياة إنما أخذتها في جيبي وقررنا أن نعيش معًا.
أتوقف، نظراتي مستمرة في الوصول إلى البعيد، جالس في القطار داخل هذه العربة ومن هذه النافذة ألمحني هناك. لقد رأيتني وأنا في الخارج هناك، عرفتني بينما أدير ظهري لكل شيء.
3
الكفاية بالتنازل
ما يفعله الزمن برغباتي يتلخص في فكرة واحدة: التجاهل. الأشياء التي لا أحصل عليها وتحاول أن تبقى معلقة ضمن قائمة الحاجة إلى وقت متأخر، تتلاشى الرغبة فيها أو في تذكرها. منذ طفولتي وباحتمال أني سأكبر يومًا، تنامت بداخلي المقدرة على السيطرة على تضخم الهوس بالتملك، تصغر مفاتن ما يحرضني أن يصير يخصني، ذلك لأني امتلكت موهبة العثور على عيب في أي شيء يملكه غيري، أو التنبه إلى حالة السأم مبكرًا من شيء أخذه وأكتشف مزاحمته للفراغ حولي. وهكذا صرت المحظوظ بانحسار الرغبة. وعندما أعود إلى وقت بعيد وسواء حينها كان بحوزتي ثمن ما أردته أو تذكرته بجيب فارغ، فإني دومًا ما كنت أراني محمي من الاحساس بالحسرة. لا شيء يؤذيني في الرجوع إلى لعبة أو هدية سرقت تنبهي، إنما شعور بأنه ما أستحق أن يتجرأ ويضع علامة خيبة في ذاكرتي. وما شعرت بالخيبة ولو لحظيًا من مواقف فات فيها أن أكون الخيار الأول أو الثاني أو الأخير طالما كنت أختار نفسي، ومن خيارات عبرت بمحاذاة دروبي ولم تتقاطع مع خطواتي لأني رفيق حظي، ولحظات كنت قريبًا منها ولم أحصل على دعوة للمشاركة وبات ينقصها حضوري، وملذات خسرت أن تتصبغ بطعمي، وصور باهتة لأن ضحكتي ظلت محمية من الهدر وتكاثرت في حلقي وحدي. أيام مزدحمة بالناس والأشياء، منزوعة من الاتساع بمشاركتي، لأني الوحيد البارع في تدليل وحدتي. وعكسيًا انتصرت مقاومتي الفردية على غواية الكثرة، وعوضًا عن أن تسحب موجة الآخرين قاربي الصغير، حاول الآخرون مزاحمتي في قاربي أو السباحة في قوارب تخصهم، وفشلوا وطلبوا النجاة والمساعدة. وحظيت بميزة خاصة في وحدتي، حتى لو أنهم أطلقوا عليها أوصاف الغرابة والنبذ، إنما رأيتها وعشتها عزلتي وكفايتي. ورغبتي.
4
مرة أخيرة لمرة أولى
ذهبت إلى هناك، أنا هناك دومًا، بعيدًا عن هنا، متسمر في الضفة المقابلة، أحرس الأيام عندما تنتهي ورديتها. ملاحظ كيف أن وردية ووردة وورود تحوم جميعها في الدائرة نفسها، تلتف على ذاتها لتحمي تفاصيلها من الشتات، مثل عائلة متماسكة. الكلمات والأشياء لديها الحاجة المحرضة في أن تصنع عالمها الخاص المتقارب، وربما تكون ضرورة البقاء، الحاجة للحيوية، في أن يبتكر كل شيء طريقته الملائمة في مواصلة أن يكون شيئًا. وأنا هناك، في المكان الذي أظنه يسرقني من الضجيج، يساعدني على الانكماش على مشاعري وفوضاي، يرتب سكوني ومقاومتي لاستفزاز العالم ونداءات الاستغاثة، أبقى هناك حتى يصير هنا، أوظف أقدامي في سبيل تقليص المسافة، إعادة الظل إلى النور، الصدى للصوت، ردة الفعل إلى الفعل، الشجرة إلى البذرة، الطريق إلى الخطوة، البحر إلى القطرة، العالم إلى النطفة. وهناك، لأني فيها تصير هنا. مستمر في العمل على مساعدة الحياة في أن تلد من جديد، أن تكون بدائية وفطرية وطازجة مثل الصباح. وبعدها، وبينما يظن الآخرون أنه يوم مكرر، أكون وحدي من يعرف أنه شيء جديد تخلق للتو، نبت هنا وسيركض طويلًا إلى أن يكون هناك. وفي الغد سأفعل الدور نفسه، أضبط العالم لمرة أخيرة من أجل مرة أولى جديدة، مثل ساعة يعاد ضبطها لتهب الزمن توقيت البدء والوصول، والتجدد.
5
نص تجريدي
المسافة مثل طريق وسيل، تحبو على الأرض والأسطح. لكن المساحة ثلاثية الأبعاد لأن لها طول وعرض وارتفاع. جميعها، تنتمي لسلالة واحدة، أمها النقطة ثم ولدت المسافة وتفرعت إلى المساحة، وكل سقف سماء وحدود ومدى. وهذه عتبة خطوات كلماتي، لأني في العادة عندما أفكر بالكتابة أتخيل وقوف طويل على عتبة، محطة انتظاري وقبل دخولي وما تسبق ضياعي، أصنع العتبة أولًا، أضع بذرتين وانتظر حتى تصير دفتي باب، “العابر كما نصفه في القرية”. أتمهل حتى تتعانق الأغصان، يصير المنظر أشبه ما يكون بأرجوحة، لأني أمرر يدي في الفراغ بين جذعي الشجرتين. من الباب الوهمي الأخضر والعتبة حيث تتصبغ أقدامي بالطين، أفكر بالتنازل عن المفتاح لأنه ما من ثقب في فراغ كبير، لا يوجد عين سحرية لأن هذا الفراغ كله عين وليست للرؤية إنما لعبور النسمة وهي تمرجح الأغصان. تصير العين هنا أداة للسماع وجسر للصوت، وما من لسان في الباب لأن الخشب يميل إلى الصمت طالما تتحدث الأوراق وتنكمش وترفرف. ويدي معفية من الطرق والتلويح والنداء، لأن يد الباب تنبت بعد أن عجز اللحاء عن التجدد والتلون، وحينها أكتب نقطة، وبعدها تأتي المسافة وتكبر المساحة، وهكذا يبدو منزل الكلام بالنسبة لي. وأفكر بالنزول إلى داخلي حتى أغرف من مشاعري، أو الصعود إلى سطح ملامحي حتى أهب المرآة تعابير تبث فيها حيوية الوجوه، أو البقاء هنا معلق بين عقلي وقلبي وعند لساني، وكأنما ريشة التوازن بين كفة الأفكار والإحساس هي لساني التي تتذوق وتقطف الكلام. وأخطط للتراجع من عند العتبة لأنه لا يمكن أن يكون هناك باب بدون وسادة، وفي الواقع أعرف أن المواعيد تستغل العتبة لترخي رأسها والأبواب لتريح جسدها، وأنا مواعيدي مستيقظة وتنتظر.
6
مسايرة التيار
نقاشات فاسدة كان يمكن تجنبها بواسطة تفعيل خاصية المسايرة، هز الرأس بالموافقة والاكتفاء بالمعارضة للصوت الداخلي. أفكار عديدة جديرة بأن تكبر لولا أنها واجهت أزمة الجدل لحظة تخمرها، مشاريع ملهمة أجهضت في بدايتها لأن الآخرين لم يكونوا مستعدين لاستيعابها، تغييرات ستصير واضحة وثمينة إن حالفها الحظ ولم تتعرض لموجة سخرية في أول خطوة، حكاية ستكبر في حال حظيت بفرصة الإنصات وهي تتشكل، حياة كاملة يمكنها أن تتبدل لو أنه يتوقف الناس عن التدخل والتشكيك ومحاولة المساعدة. ويظهر أنه بدائي كم أن المسايرة ضرورية وبسيطة، إنها مثل أن تترك للعالم أن يصنع طريقه وتستمر في طريقك دون أن تنبه أحد لخطتك، سيفوتك الدعم والتحفيز ولكنه لا يقارن بالخلاص الذي تحصده بأن تحتفظ بنواياك لنفسك، ستجد أنه وبمجرد تجاهلك المشاركة أنك حصلت على غض الطرف من الفضول، ستكون وحدك في ركضك ولكن معفي من الأصوات المزعجة التي تناديك للتراجع، وأنت تعرف أنه يوجد أشخاص يختارون الجلوس والثرثرة والنداء بالبقاء على الحال نفسه. الجمود فكرة رخيصة لذلك يسهل اكتسابها عبر البرود، الحرارة تتكفل بالذوبان والسيولة والحيوية. افعلها، راقب قالب ثلج وهو يسيح في راحة يدك، حاصر الماء وحاول السيطرة على القطرات بينما تتفتت، لحظة تعبر من الشقوق في باطن كفك ومن بين أصابعك، هذا المشهد يصف بوضوح كيف أن الذوبان وسيلة للارتواء. في الحياة عمومًا إذا تنبهت للبرود يصيب شيء منك، شعورك أو فكرتك أو شغفك أو محاولاتك، فإن كل ما يتطلبه الوضع أن تشعل رغبة التمرد والتغيير والبدء من جديد. دومًا هناك ضوء يكفي لصهر كل الجليد، لكن عليك أن تعرف أين تضع نافذتك.
7
طموح الجيدين وحسرة السيئين
يتغاضى الناس عن جلد الذات حد أن بعضهم يشجعه ويعده نوع من الشجاعة، ويتحقق جزء من التضامن نتيجة تقليل الشخص من نفسه وتقديمه الأعذار المسبقة ليكون سيئًا، وربما لأنه ضاق صدر العالم بالمغرورين والفارغين حتى صار نشازًا أن يتغنى الشخص بذاته وحقيقته. لكن، أنا أعرف كم أبدو ثمينًا عندي ولدي أسباب عديدة، وأدرك بوعي كامل أنني طموح الجيدين والنموذج المثالي للتشبه به، وأني حسرة السيئين لأنهم يرون فيني كم هم سفلة ويعجزهم أن يستبدلوا أنفسهم. في الواقع بذلت الكثير لأكون بهذا الشكل، سمحت أن يصادفني الكثيرين ويذهبون وهم يظنون أنهم تمكنوا من خداعي، وما تنكرت ولا مرة لوجهي الطفولي ولا خجلت من أن ترتبط السذاجة ببراءتي، وما خضت ولا معركة واحدة في دحض فكرة بغيضة عني ولا بذلت جهدًا في تضخيم مديح يخصني، ولا يشغلني أن أعرف فكرة أحد عني ولا يؤذيني أن كانت لا تشبهني، وما شعرت يومًا بالزهو بنفسي ولا سمحت بأن أرضخ بسبب تواضعي. ومثلما أحب اللين إلا أني حاد مع نوايا المساس بما يخصني، وأعرف أني فوت فرصًا مثالية لأشعر بالزهو في أن أدهس على قلب أحدهم أو أكسر خاطره، وتحاشيت مرات وصلت إلى حد الانتقام وتراجعت في آخر لحظة، وأشياء كثيرة كانت ستهبني شعور السلطة والجبروت وقايضتها باللطف والوداعة. ومهما كلفني ما أختاره من ظنون وحملني من أوصاف الضعف والهشاشة والجُبن، إلا أنني أحببت أن أبدو مثل شجرة تسمح لغصنها أن يرف ليعطي النسمة شعورًا بالأهمية وحتى يهب الظلال حظ الحركة، لأنني أنسى ما يعتقده الناس عني وأتذكر ما أعرفه عني.
وأدرك أنه لا حاجة للأسباب حتى نكون ثمينين عند أنفسنا، إنما كنت أتذكر كم أنا محظوظ بنفسي، وكم أقدس كل الذين يعرفون كم هم محظوظون بأنفسهم.
8
السماح للملل أن يكون جميلًا
أحيانًا، أدع الأغنية الرديئة تستمر حتى تنتهي من تلقاء نفسها، أذهب مع القصة السخيفة إلى آخر محطة، أمنح لمبة السقف الوقت الذي تحتاجه لمحاولة استفزازي وتبديل وضعية جسدي المستلقية، أهب الطريق فرصة أن يتسبب في تأخيري واستفزازي ولا أهرب منه، أسمح لحكاية باهتة أن تكبر وتتسع وتسرد كل فصولها وتفاصيلها وتدعي أنني فيها، أجلس مع البلادة على طاولة واحدة مثل صديقين يشعران بالكسل من التصريح بأي ضيق أو حنق، أصادف النسخة المكررة والقوالب المعلبة والمواقف المُعادة دون أن أعبر ولو بكلمة عن برودة اللحظة، أترك الأشياء تتسمر في مكانها ويتراكم عليها الغبار ولا أتدخل، الأيام وهي تحاول تكرار تفاصيلها ولا أقول عنها أنها بغيضة، الساعة وهي تتحرك ببطء طوال الظهيرة وأنا جالس ابتسم بسعادة أن تركض بالنيابة، صنبور الماء المعطل ويشتكي بقطرات تستمر بالنقر في المغسلة وأتجاهل فكرة أنه صوت رتيب، الخطوات الروتينية للذهاب للمكان نفسه مكتفيًا أن المكيف يعمل بشكل طبيعي، تفهم أن يستمر شيء في ترديد الشيء نفسه طيلة الوقت لأنه لا يرغب في تأدية عمل آخر، شعور بالغبطة تجاه حافلات خط البلدة وموظفي خدمة العملاء حتى يشعرون بالزهو، أن أتابع الكتابة وتراقبني الحياة أو أراقب الحياة بينما نتبادل الأدوار وتكتب دون أن يتبرع أي منا في تقديم النصائح. أن تستمر الأغنية الرديئة ولا انتبه لها لأني في لحظات أفكر أنه يمكن إضفاء لمسة فنية على الملل، والتظاهر بأنه جميل، وكأنما أضحك على الدعابة نفسها مجددًا.
9
تشويه الأسئلة بسبب ضرورة الغباء
ماذا يجدر بمن يسمعنا نقول عن كل ما مررنا به معه أنها خطيئة وحماقة يفعلها كل الناس في الحياة وهو يعتقد أنه ما استراح لنا جفن وما تفتح لنا درب إلا وفكرنا به؟ ماذا سيكون شعور اللوحة المعلقة على الحائط لو عرفت أننا نضعها في هذا المكان لأننا اعتدنا أن نقول الجدار الذي سنعلق عليه شيء يقلل من روعة المكان؟ ماذا كان سيشعر به الشخص الذي يغيب الآن في خدره بسبب كلمة صهرت قلبه إذا عرف أن الكلمة فائضة عن الحاجة وفاسدة وكان هو فراغ ملائم؟ ماذا تشعر به نسمة قطعت مسافة طويلة من طرف بعيد في العالم ووصلت إلى هنا وداعبت شعر الفتاة التي تفاعلت مع الموقف بالتأفف والاستنقاص من طريقة التحرش المفضوحة والمقززة؟ ماذا سيفعل ذاك المتباهي بأنه أخيرًا وصل إلى حيث تمنى ورغب أن يكون لو أخبره أحد منا أننا نشعر بالشفقة على من يجلس في المكان الملعون؟ ماذا يخطر ببال اللحظة التي وكلما حاولت أن تكون أكثر فتنة وتحريضًا على التمسك بها سمعت من يقول لنبحث عن طريقة نضيع بها الوقت؟ ماذا سيقول الآن من أعتاد أن ينبهنا من حثالة العالم إذا عرف أنه في كل مرة كان يتحدث فيها كنا نعي أنه يحذرنا من نفسه ولكننا كنا نحب أن يبالغ في شتم ذاته؟ ماذا سيكون تأثير معلومة أننا نضع الصورة الأقل قيمة على الغلاف لأننا نتسامح في حال تمزقت أو بهت لونها وهي التي تظن أننا كنا نفضلها ونختارها في أول كل شيء؟ ماذا سيظن من يثق بالكامل أنه حاز الاعجاب والملاحظة بسبب روعته وجاذبيته وذكائه إذا عرف أنه كان ملفتًا لأنه دنيء ومعتوه وغضبه يثير حالة ضحك هستيرية؟ ماذا سيتغير عند الأشياء التي تؤمن أنها تحظى بفرص أكبر في الطلب والرغبة إذا لاحظت أنها هي من تفرض نفسها وتهب ذاتها لكل عابر ولا أحد يرفض ما يحصل عليه بالمجان؟ ماذا يفترض أن يكون موقف شخص أخبرناه أكثر من مرة وبكل طريقة أنه يؤذي الناس ويتمادى في الإساءة طالما أنه صار في مواجهة الوحش ويعاني من نفسه على نفسه؟ ماذا يعني للحياة أننا ندرك كل ما سبق وأكثر ولكننا لا نريد إفساد حفلة أحد؟
10
أصابعي تروي عن أصابعي
أراقب أصابعي تسير خلف خطواتي وتبحث عن مشاعر سقطت في غفلة من بحثي، تلتقط كلمات غفلت عنها في صمت صار شكل تواصلي مع الأشياء من حولي، تتحسس الذاكرة وتتأكد من أين تسيل الألوان لأن الصور تسرب تفاصيلها كلما تأخرت رغبتي في استحضارها، تجرح المواقف من أطرافها لأن اللحظة إذا ما كانت فارغة نهشت من مستودع الأيام القديمة، تصهر مواعيد ما عاد من مساحة في العمر لانتظارها، تعيد ضبط الوقت في راحتي بعد أن جفت المصافحات، تفتش عن الأغنيات القادرة على صبغ الخطوط في يدي، تتلمس الألفة في كلمات صار مؤكد أني سأعيد استخدامها، تركض مع هواجسي ويؤذينا معًا أن توثق ارتباكي، تجلس في مواجهة خوفي ويا خوفي من الاعتراف بالغصة في حنجرة حزني، تتلاصق لأن المسافة تبتز الحاجة في حروفي، تجس الرهافة بينما تجري في عروقي، تتأمل الأفكار كلما أوصدت الأبواب عليها خرجت من بين شقوق النداء، تتعارك مع أسماء ما عدت أرغب يا الله في أن تكون جزءًا من شرودي، تقسو على نوافذ الحنين وهي تحاول أن تستفز مقاومتي، تعيدني إلى كل ما تجاوزته ويحاول أن يرجع إلى حاضري، تشير إلى ما كان سيفوته تنبه العالم لولا مساعدتي، ترسم في الهواء حكايات ودروب تنتمي إلى فئة ما تحس به يمكن اليقين بوجوده، تلعب في التموجات في الحيز القريب من باب التسلية، تبعثر جمود وصلابة بفرقعة صغيرة، تخربش ما يبدو وكأنه برواز لوحة بطريقة فوضوية وساحرة ويستحيل رؤية المشهد، تضحك لأنها قادرة على التكفل بميلاد ابتسامات ندية وشهية، تراوغ ببساطة كل شيء، تفعل أشياء يصعب التصريح بها مراعاة لمشاعر الآخرين. تستفزني في التطفل على سلوتي، وأنا جالس أراقب أصابعي تبحث عني وأركض بعيدًا بحياتي.