الرابط صحيح لكنه لا يعمل

لم تكن الاتجاهات ذات قيمة في حياتنا لأن الذين ينبتون في الريف يتأثرون بطبيعة الحقول وتصير حياتهم شبيهة بالأشجار، يراقبون بلهفة شروق الشمس بينما تصعد الجبل وكأنما يحظون بمنحة أنهم في دائرة الضوء ويمضي نهارهم في ملاحقة الظلال لأنها تسليتهم الوحيدة حتى نهاية اليوم. ولأن أبناء الريف مثل الأشجار فإنه نادرًا ما يخطر ببالهم السفر ولكنهم على سبيل التعويض يشعرون بأن الأماكن تأتي إليهم، فإذا تتيبست الشفاه وتشققت كعوب الأقدام فإنه موعد هبوب “النجدية” وبداية موسم الجفاف حيث تتلعثم الكلمات وتتعثر الخطوات، وحين تأتي تهامة يكون قد حان موسم “الغورية” الناعمة والرقيقة والمشبعة بالحنين مجهول الهوية، ولأنه بديهي أن كل الأشياء الناعمة حادة وتخز القلب كما يعرف أو يظن القروي. لاحقًا وبشكل فردي وفي تجربة متفردة يتعلم الواحد منا الاتجاهات سواء عندما يضيع أو يجرب الوداع أو يقرر الهروب، بالنسبة لي اكتشفت الاتجاهات بسبب لعبة “الثعبان” في كمبيوتر صخر في عطلة كانت ستبدو مقاربة لكل الأيام، حينها جلب أخي العالم كله إلى بيتنا وصار في الشاشة قناة ثالثة، سهم إلى أعلى ومثله إلى الأسفل وعلى الجانبين سهمين آخرين وهكذا مشيت أول مرة خارج حدود القرية، وبسبب لعبة “الثعبان” يخطر ببالي كيف تورطت بالإشارات لأنني من حينها وأنا أبحث عن المعنى والمغزى في كل ما يصادفني، لأن الحياة مجرد رسائل غامضة نروضها بالتخمين والافتراضات وفوضى الاحتمالات على كل حال. ورغم ندرة الأكسجين في الجبال لكن كبرت مثل شجرة تقاوم وترغب في أن تعيش قبل أن تتحول إلى باب أو نافذة أو عمود في منتصف مجلس منزل تدخل في بناءه الحجر والطين، وربما كنت محظوظًا أكثر من شجرة لأني أحب مواساة نفسي عندما يفوت أن تسكن العصافير على كتفي وتبني أعشاشها في قلبي بأن أقول لقد بدوت مثل فزاعة، لأنه من الجيد أحيانًا أن تكون مصدر خوف حتى وأنت خائف. بعد أن كبرت صرت مسؤولًا بما يكفي للحصول على كمبيوتر محمول بوصفه كان أول شيء يهبني فرصة امتلاك شيء يخصني وأستطيع أن أنسبه إلى نفسي، لأنه بالعادة في الريف يكون لزامًا علينا أن نكون اجتماعيين ونتشارك كل شيء حتى أسمائنا لا تخصنا لأنها تكون استنساخ وتكرار لقريب أو صديق أو خاطر في المنام، وبوصفنا نناضل على الحد من شراهة مطاردة التغيير. قلت في نفسي بعد أن حصلت على الكمبيوتر المحمول أنه في حال تمكنت من استخدامه والتعامل معه من دون الاستعانة بالفارة “الماوس” فإن حواسي تكون قد بلغت الذروة وتجاوزت عتبة التمنع، ولا أنسى متى وصلت للبراعة لدرجة أن تركض أصابعي على مربع اللمس في لحظة تنبهت فيها للأمر بينما أتحسس ملامح شخص غريب من مسافة بعيدة في العالم الافتراضي، وحينها تيقنت أنني ما عدت شجرة ولا فزاعة وتحولت إلى فكرة في المخيلة لأن الذين ينغمسون في تصوراتهم يخرجون من واقعهم إلى شاعريتهم.

قبل الخطوة نتدرب على العثور على الطريق خاصة وأن الجبل نية الرفض ودلالة التحدي وشرود السقوط، وتدريجيًا يصير طبيعيًا أن الواحد منا لكثرة القفز يتوهم أنه يطير أو تنطلي على نفسه خدعة أن بوسعه أن يكون هناك حيث يبدو وكأنه ما عاد هنا، وهكذا نتذكر ونعود ونكون في أمكان عديدة مثلما كنت قبل لحظة في ماضي حياتي وعدت الآن إلى لحظتي، وكأنما فات وقت طويل على ملاحظة أن ما عشته سابقًا كان يخصني أيضًا لأني بشكل خاطف تذكرت حياتي دفعة واحدة بينما أجلس بعد منتصف الليل في مقهى شعبي في مدينة جدة ويصلني على الواتساب ويصادف منتصف شهر مارس 2020 قرار حظر التواجد في مقرات العمل بسبب جائحة كورونا، وأول ما خطر ببالي حينها أنه بنهاية دوام يوم الأحد الذي كان بالأمس أنني نسيت الفارة “الماوس” في الرف المجاور لمكتبي، ومثل الاتجاهات يكتشفها الواحد منا بشكل فردي وفي تجربة متفردة كان هاجسي يتلخص بأني معرض لتهديد فقدان قدراتي على التحكم بحواسي طالما أن “يدي الثالثة” بعيدة عني هناك، وحتى وإن كنت لا أحتاجها ولكن لم أمتلك جراءة الاستغناء عن وجودها معي لأني متوجس من شح يصيب يدي عن كل ما أرغب في تحسسه أو مصافحته أو النقر عليه أو الدخول إليه، ولأن مخاوفنا طريقتنا العكسية في جلب حظوظنا لأنها تبدو وكأنها رغباتنا لكثرة ما نفكر فيها، كنت قد عشت المسافة بيني وبين نفسي وبيني وبين الحياة الواقعية القريبة وصار الآن العالم كله مثلي وبينه وبين الحياة الواقعية مسافة، من هذه الدقيقة كل شيء بعيد هناك باستثناء أن التوجس صار قريبًا مثل تسليتنا الوحيدة في الريف عندما كنا نركض خلف الظلال، ورأيت نفسي والآخرين مثل فزاعات عاجزة عن إثارة تهديد الطيور أو جلب الطمأنينة لبعضها.

وكأنما عدت إلى القرية شجرة هرمة في واحد من الحقول المنسية مرتبك بسبب ثغرة في جدار وهم العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة لا تشبه التي عرفتها في طفولتي، ومن دون وجود ضمانة الفوز بالنجاة ما دمت تورطت بالانغماس، وبعد أيام لم أحصي عددها لأني صرت أفكر فقط بحساب المسافات، وجدتني أنهض من مكاني بعد أن تواصل الطرق على الباب ولأنه صار يؤذيني أن يرخي أحدهم يده على جزء مني والباب ينتمي إلي ويخصني، وحينها ظللت عالقًا خلف الشاشة منسحبًا من لقاء اقترحه مجموعة من الأصدقاء عن الكيفية المناسبة لمواجهة مخاوف أن يظل الشخص مهووسًا بأن يكون محاطًا بالآخرين، ولكنني ما استطعت الدخول إلى الاجتماع مجددًا لأن الفارة “الماوس” ما زالت بعيدة هناك في الرف على المكتب، وفات العالم أن يسمع صوتي بينما أقول أنه كم يبدو ضارًا أن يظل الشخص محمومًا بأن يجلس مع نفسه وأفكاره وهو هش وضعيف ويمكن أن يتلاشى بينما يرغب في أن يطمئن ويلتصق بأحدهم، حتى ولو كان ذلك بأطراف أصابعه على أقل تقدير وتخدير مثلما كان سيحدث لو أن العالم لم يتطفل ويحاول أن يكون شبيهًا بقريتنا الصغيرة، إنما ما عدت شجرة والحياة ما زالت تختبر الاتجاهات وتتدرب على الشاعرية.


أضف تعليق