
كنت، تعطي حرية البقاء والذهاب، الدخول والخروج لكل ما سواك لأنك ثابت. وفجأة، مثل لحظة تذكر موعد تغيّر بسببه طريقك، تخرج من حالة إلى حالة مختلفة لأنك تنبهت لشيء جذبك وسيطر على حواسك، تتوقف عن استكمال ما تعمل عليه أو تفكر به أو تغوص في أعماقه، تغادر وتترك ما حولك عالق دون أن تشعر بتأنيب ضمير من كل ما حكمت عليه بأن يصير في خانة الأشياء غير المكتملة، تتنازل بمساحة تتكدس فيها مشاوير ناقصة، تختار أن تقص من مكان لا يظهر عليه علامة “مخصص للقطع”، تبصر الساعة وكأنها تخلت عن واجبها في أن تكمل دورتها وتقفز إلى الساعة التالية متجاهلة الدقائق المهدرة، تقرر دون تخطيط أن تنحرف وجهتك. فجأة، لا تعود هنا بالطريقة المألوفة لحظوظك وظنون العثور عليك وجلوس ظلك، تنتقل إلى هناك حيث لا يتوقع أن تكون، تلوح من بعيد للروتين والتخمينات المضمونة والافتراضات المحمية عن الشك، تسير في درب جديد أنت عليه، تقول كلمات لم تستخدمها قبل الآن، تظهر في مشهد بصفتك عنصر طارئ، تقبل اعتبار حضورك بمثابة مرور عابر ومؤقت، تحمل بطاقة زائر لأن ذلك أسهل من عناء اكتشاف اسمك، تشعر أنك في مطار بين رحلتين ولكن لأن حقيبتك معك تختار أنك وصلت، تحس بأنك كنت تخدع الجميع بأنك تسير إلى محطة قادمة وعندما تغافل العالم عن مراقبتك تسللت وهربت، تصير شخصًا آخر ليس مثل الذين تكرههم لأنك لن تتشوه وتبدو مثلهم، ولا تكون مثل الذين تحبهم حتى تبقى مختلفًا عنهم وتحبهم، ولكنك تتحول إلى شخص آخر لا تعرفه، تبدو وكأنك ما عدت تخصك لأنك ما عدت تنتمي إلى كل ما كان يتباهى بأنه منك، تضحك على الاعتياد لأنه نسي أن يدون ضمن احتمالاته فكرة انسحابك، تسخر من الملل لأنه فشل في أن يبتز سخطك ويحرضك على الاستجابة، تنبه كل شيء وكل أحد أنك عندما ترغب في الخروج فإنك لن تهدد أو تراوغ أو ترتب طريق الرجوع، أنك فقط تشيح بوجهك وتطوي قلبك في صدرك وترحب بالتذكر في حال كان محظوظًا بمصادفتك. تخرج وتنتهي الحكاية.